السنة النبوية وعلوم الحديث

تدوين علماء الحديث أقوال الصحابة والتابعين

مشاركة المنشور:

تدوين علماء الحديث أقوال الصحابة والتابعين

د. محمد بن جميل المطري

لم يكن علماء الحديث يكتفون بتدوين ورواية أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام فقط، بل كتبوا أيضًا أقوال الصحابة والتابعين وأتباعهم، ورووها في كتبهم بالأسانيد.

روى مسلم في مقدمة صحيحه (1/ 13) عن عبد الله بن أبي مُليكة قال: كتبت إلى ابن عباس أسأله أن يكتب لي كتابًا، فقال: (ولدٌ ناصحٌ أنا أختار له الأمور اختيارًا)، فدعا بقضاء علي، فجعل يكتب منه أشياء.

وسأل مجاهدُ بن جَبْر عبدَ الله بن عباس رضي الله عنهما عن تفسير القرآن آية آية، وكتب عنه تفسيره، روى ابن أبي شيبة في مصنفه (30287) عن ابن أبي نَجيح عن مجاهد قال: (عرضت القرآن على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته ثلاث عرضات أقِفه عند كل آية)، وروى ابن جرير الطبري في تفسيره (1/ 85) عن ابن أبي مُلَيكة قال: (رأيت مجاهدًا يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه فيقول له ابن عباس: اكتب، حتى سأله عن التفسير كله)، ثم كان طلاب العلم يكتبون التفسير عن مجاهد، روى الدارمي في سننه (519) عن عُبَيد المُكتِب قال: (رأيتهم يكتبون التفسير عند مجاهد).

وروى ابن سعد في الطبقات الكبرى (5/ 224) عن موسى بن عقبة قال: وضع عندنا كُرَيب مولى ابن عباس حِمْل بعيرٍ من كتب ابن عباس.

وروى الرامَهُرْمُزي في المُحدِّث الفاصل (ص: 374) عن طاوس قال: (كنت أنا وسعيد بن جبير عند ابن عباس يحدثنا ويكتب سعيد بن جبير).

وروى أحمد بن حنبل في كتاب العلل ومعرفة الرجال رواية ابنه عبد الله (289) وأبو زرعة الدمشقي في تاريخه (ص: 619) عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جُبير قال: (كنت أكتب عند ابن عباس في ألواحي حتى أملأها، ثم أكتب في نعلي).

وروى ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (6/ 332) عن أحمد بن صالح قال: عطاء بن دينار من ثقات أهل مصر، وتفسيره عن سعيد بن جبير صحيفة. ونقل عن أبيه أبي حاتم الرازي أن الخليفة عبد الملك بن مروان كتب إلى سعيد بن جبير يسأله أن يكتب إليه بتفسير القرآن فكتب سعيد بن جبير إليه بالتفسير، فوجده عطاء بن دينار في الديوان فأخذه فأرسله عن سعيد بن جبير، وقال الخليلي في الإرشاد (1/ 393): "تفسير عطاء بن دينار يُكتب ويُحتج به".

وعن يحيى بن أبي كثير قال: كتب إليَّ أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود: أما بعد، فإني أخبرك عن هدي عبد الله بن مسعود في الصلاة وفعله وقوله فيها. وذكر حديثًا طويلًا فيه تشهد ابن مسعود وبعض أقواله وهديه في صلاته وعبادته. رواه الطبراني في المعجم الكبير (9942)، وكان مع عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود كتاب عن أبيه عبد الله بن مسعود فيه بعض الأحاديث رواه الفسوي في المعرفة والتاريخ (2/ 688).

وكان ابن شهاب الزهري يكتب أقوال الصحابة وقال: هي سنة، رواه عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه (20487)، وحين مات الزهري حُمِلت دفاتره التي كتب فيها الأحاديث النبوية وأقوال الصحابة على البغال. رواه ابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (2/ 252) وابن عدي في أول كتابه الكامل (1/ 139).

ثم جاء عصر أتباع التابعين فاجتهد علماء الحديث في كتابة جميع الأحاديث النبوية وآثار الصحابة والتابعين مما سمعوه من شيوخهم التابعين عن الصحابة، وما سمعوه أو نقلوه عن التابعين وأتباع التابعين، مثل ابن جُرَيج المكي (ت 150 هـ) الذي أكثر جدًا من سؤال شيخه التابعي الجليل عطاء بن أبي رباح ودوَّن تلك الأسئلة وأجوبتها في كتبه التي رواها طلابه عنه كحجاج بن محمد المِصِّيصِيّ ومحمد بن ثور الصنعاني، وكان طلاب ابن جُرَيج ينسخون كتبه ثم يقرءونها عليه أو يسمعونها منه بلفظه، قال أحمد بن حنبل : (سمع حجاج بن محمد التفسير من ابن جُرَيج، وباقي الكتب قرأها عليه عرضًا) يُنظر: العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله (2/ 69)، تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (9/ 142).

وقال الخليلي في الإرشاد في معرفة علماء الحديث (1/ 392): "روى محمد بن ثور عن ابن جُرَيج نحو ثلاثة أجزاء كبار، وذلك صححوه، وروى الحجاج بن محمد عن ابن جُرَيج نحو جزء، وذلك صحيح متفق عليه".

وأكثر الإمام مالك بن أنس (ت 179 هـ) في موطئه من نقل أقوال التابعين من فقهاء المدينة.

وروى القاضي أبو يوسف (ت 182 هـ) في كتابه الآثار كثيرًا من أقوال الفقهاء من الصحابة والتابعين.

ودوَّن الإمام محمد بن الحسن الشيباني (ت 189 هـ) في كتبه أقوال فقهاء أهل الكوفة كإبراهيم النَّخعي وحماد بن أبي سليمان ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وأبي حنيفة وأبي يوسف وزُفَر بن الهُذيل وسفيان الثوري، ومن أشهر كتب الشيباني: الأصل المعروف بالمبسوط وكتاب الآثار وكتاب الجامع الكبير والجامع الصغير.

ونقل الإمام محمد بن إدريس الشافعي (ت 204 هـ) في كتابه الأم أقوال كثير من فقهاء الصحابة والتابعين وأتباع التابعين.

وروى الإمامان عبد الرزاق الصنعاني (ت 211 هـ) وابن أبي شيبة الكوفي (ت 235 هـ) في مصنفيهما كثيرًا جدًا من أقوال وأخبار الصحابة والتابعين وأتباعهم بالأسانيد، وعدد الروايات في مصنف عبد الرزاق الصنعاني (20469) رواية كما في الطبعة الثانية لدار التأصيل من غير أحاديث كتاب جامع معمر بن راشد من رواية عبد الرزاق الملحق في آخر المصنف، وعدد الروايات في مصنف ابن أبي شيبة (40754) رواية كما في الطبعة التي حققها سعد الشِّثري.


الكتاب المرفق

تحميل الكتاب (PDF)