السنة النبوية وعلوم الحديث

كتابة الصحابة لبعض الأحاديث النبوية

مشاركة المنشور:

كتابة الصحابة لبعض الأحاديث النبوية

ورد عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وأنس بن مالك رضي الله عنهم أنهم قالوا: (قيِّدوا العلم بالكِتاب) رواه عنهم الخطيب البغدادي في كتابه تقييد العلم (ص: 88، 89، 92، 96) بعدة أسانيد.

وكانت بداية كتابة الحديث النبوي في عهد الصحابة رضي الله عنهم، فقد كانوا يحرصون على حفظ السنة النبوية في صدورهم، وثبت عن غير واحدٍ من الصحابة أنهم كتبوا بعض الأحاديث النبوية في حياة النبي عليه الصلاة والسلام أو بعد موته، وقد ذكر منهم محمد مصطفى الأعظمي 52 صحابيًّا في كتابه دراسات في الحديث النبوي (ص: 92 – 142)، وأكثر ما ذكره محتمل غير صحيح أو غير صريح لا دلالة فيه على كتابة الصحابي نفسه للحديث ولو بأمره، وإنما فيه كتابة التابعي عن الصحابي في مجلسه.

والصحابة الذين ثبت عنهم كتابة بعض الأحاديث واحدٌ وعشرون صحابيًّا، وهم:

أبو بكر الصديق – عمر – علي - عبد الله بن عمرو – عبد الله بن عمر – عبد الله بن عباس - عبد الله بن أبي أوفى – عبد الله بن الزبير – أنس بن مالك – زيد بن أرقم – جابر بن سمرة – سمُرة بن جندُب – رافع بن خديج – النعمان بن بشير – سعد بن عبادة – أبو بكرة الثقفي - أُسَيد بن ظُهير الأنصاري – أم المؤمنين عائشة – الضحاك بن سفيان الكلابي – معاوية – المغيرة بن شعبة.

ويوجد ثلاثة صحابة ذكرهم الأعظمي فيمن كتب الأحاديث النبوية، وأحاديثهم صريحة في ذلك لكن في أسانيدها ضعف يسير، وهم:

- جرير بن عبد الله البجلي، في إسناد حديثه والد أبي إسحاق السَّبيعي، وهو مجهول، وكان مع جرير في جيش، وروى عنه أنه كتب إلى معاوية أنه سمع النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((من لا يَرحم لا يُرحم))، وأن معاوية أرجع الجيش ومتَّعهم، فجاء والد أبي إسحاق بقطيفة مما متعه.

- أبو رافع في إسناد حديثه عنعنة محمد بن إسحاق بن يسار، وهو مدلس، فيُخشى أنه دلس الحديث عن ضعيف، ولم يسمعه من شيخه الثقة.

- الضحاك بن قيس الفهري، في إسناد حديثه علي بن زيد بن جدعان، وفيه ضعف.

وسأكتفي هنا بذكر 17 رواية صحيحة صريحة عن غير واحدٍ من الصحابة الذين كتبوا بعض الأحاديث النبوية ولو حديثًا واحدًا:

1 – أبو بكر الصديق رضي الله عنه، روى البخاري (1454) و (3106) عن أنس رضي الله عنه أن أبا بكر رضي الله عنه كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: بسم الله الرحمن الرحيم هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله)، وهو حديث طويل فيه تفاصيل زكاة الأنعام، وختمه بخاتم النبي صلى الله عليه وسلم.

2 – عمر بن الخطاب رضي الله عنه، في الموطأ (1/ 257) عن مالك أنه قرأ كتاب عمر بن الخطاب في الصدقة، قال: فوجدت فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الصدقة)، وهو حديث طويل يشبه الكتاب الذي كتبه أبو بكر في تفاصيل زكاة الأنعام، وروى البخاري (5829) ومسلم (2069) عن أبي عثمان النهدي قال: كتب إلينا عمر ونحن بأذربيجان مع عتبة بن فَرْقَد أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لُبْس الحرير.

3 - علي بن أبي طالب رضي الله عنه، في صحيح البخاري (1870) ومسلم (1370) و (1978) أنه كتب صحيفة فيها بعض الأحاديث التي سمعها من النبي عليه الصلاة والسلام.

4 – عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، ثبت أنه كان يكتب الحديث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وقال له النبي عليه الصلاة والسلام: ((اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ)) رواه أحمد بن حنبل في مسنده (6510) وأبو داود في سننه (3646) وغيرهما بإسنادٍ صحيح، وكان يسمي الصحيفة التي كتبها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الصادقة، روى الدارمي في سننه (513) والخطيب البغدادي في كتابه تقييد العلم (ص: 84) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: (الصادقة صحيفة كتبتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم).

5 - عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، روى أحمد في مسنده (4474) بإسناد حسن عن القعقاع بن حكيم قال: كتب عبد العزيز بن مروان إلى ابن عمر أن ارفع إليَّ حاجتك، فكتب إليه ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: ((إِنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ))، ولست أسألك شيئًا، ولا أرد رزقًا رزقنيه الله منك.

6 - عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، روى البخاري (2514) عن ابن أبي مُلَيكة قال: كتبت إلى ابن عباس فكتب إلي: ((إن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن اليمين على المُدَّعى عليه)).

7 – عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما، في صحيح البخاري (3024) ومسلم (1742) أن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما كتب إلى بعض الأمراء: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أيامه التي لقي فيها العدو، انتظر حتى مالت الشمس، ثم قام في الناس فقال: ((أَيُّهَا النَّاسُ، لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، وَسَلُوا اللَّهَ العَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلاَلِ السُّيُوفِ))، ثم قال: ((اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الأَحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ)).

8 – عبد الله بن الزبير بن العوام رضي الله عنهما، روى أحمد في مسنده (16107) أن ابن الزبير كتب إلى قاضيه على الكوفة عبد الله بن عتبة بن مسعود كتابًا فيه جواب عن سؤالٍ سأله، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ خَلِيلًا لاَتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ))، ورواه البخاري في صحيحه (3658) من طريق آخر من غير تسمية قاضي الكوفة.

9 - أنس بن مالك رضي الله عنه، روى مسلم (33) عن أنس بن مالك قال: حدثني محمود بن الربيع عن عِتبان بن مالك، فذكر حديثًا طويلًا، وفي آخره: قال أنس: (فأعجبني هذا الحديث، فقلت لابني: اكتبه فكتبه).

10 - زيد بن أرقم رضي الله عنه، روى ابن أبي شيبة (32362) وصححه الترمذي (3902) أن زيد بن أرقم رضي الله عنه كتب إلى أنس بن مالك يعزيه فيمن أصيب من أهله وبني عمه يوم الحرة: إني أبشرك ببشرى من الله، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ، وَلِأَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ، وَلِأَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ)).

11 - جابر بن سمُرة رضي الله عنهما، روى مسلم (1822) عن عامر بن سعد بن أبي وقاص قال: كتبت إلى جابر بن سمرة مع غلامي نافع أن أخبرني بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فكتب إلي، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: فذكر خمسة أحاديث.

12 – سمُرة بن جُندُب رضي الله عنه، كتب صحيفة فيها أحاديث سمعها من النبي عليه الصلاة والسلام، ونسخ الحسن البصري نسخة له من هذا الكتاب. يُنظر: العلل لابن المديني (ص: 53)، تاريخ يحيى بن معين رواية الدوري (2/ 148)، العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله (2/ 17) و (3/ 11).

13 – رافع بن خَدِيج رضي الله عنه، روى مسلم (1361) عن نافع بن جبير أن مروان بن الحكم خطب الناس، فذكر مكة وأهلها وحرمتها، ولم يذكر المدينة وأهلها وحرمتها، فناداه رافع بن خديج فقال: (ما لي أسمعك ذكرت مكة وأهلها وحرمتها، ولم تذكر المدينة وأهلها وحرمتها، وقد حرَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين لابتيها، وذلك عندنا في أديم خولاني إن شئتَ أقرأتُكه).

14 – النعمان بن بشير الأنصاري رضي الله عنهما، روى مسلم (878) عن عبيد الله بن عبد الله قال: كتب الضحاك بن قيس إلى النعمان بن بشير يسأله: أي شيء قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة سوى سورة الجمعة؟ فقال: (كان يقرأ هل أتاك).

15 - سعد بن عبادة رضي الله عنه، قال الشافعي في الأم (6/ 273): "أخبرنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سعيد بن عمرو بن شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة عن أبيه عن جده قال: وجدنا في كتب سعد بن عبادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد. قال الشافعي: وذكر عبد العزيز بن المطلب عن سعيد بن عمرو عن أبيه قال: وجدنا في كتب سعد بن عبادة يشهد سعد بن عبادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عمرو بن حزم أن يقضي باليمين مع الشاهد"، وروى أحمد في مسنده (22460) عن إسماعيل بن عمرو بن قيس بن سعد بن عبادة عن أبيه أنهم وجدوا في كتب سعد بن عبادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قضى باليمين مع الشاهد)، وهو حديث ثابت، يُنظر: تعجيل المنفعة لابن حجر (2/ 72، 73).

16 - معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، روى أحمد (16856) عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج أن العباس بن عبد الله بن عباس أنكح عبد الرحمن بن الحكم ابنته، وأنكحه عبد الرحمن ابنته، وقد كانا جعلا صداقًا، فكتب معاوية بن أبي سفيان - وهو خليفة – إلى مروان بن الحكم يأمره بالتفريق بينهما، وقال في كتابه: (هذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم).

17 - المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، روى البخاري (6473) ومسلم (593) عن الشعبي قال: حدثني ورَّاد كاتب المغيرة بن شعبة قال: كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة: أن اكتب إلي بشيء سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم، فكتب إليه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول عند انصرافه من الصلاة المكتوبة: ((لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ))، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ المَالِ، وَمَنْعٍ وَهَاتِ، وَعُقُوقِ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدِ البَنَاتِ)).


الكتاب المرفق

تحميل الكتاب (PDF)