روايات صحيحة صريحة في كتابة الصحابة بعض الأحاديث النبوية
صحت عدة أحاديث في تدوين بعض السُّنَّة النبوية في حياة النبي عليه الصلاة والسلام بإذنه وأمره، ومن ذلك أنه كتب لعمرو بن حزم الأنصاري حين ولَّاه على نجران كتابًا ذكر فيه مقدار زكاة الزروع والأنعام والجزية وبعض الوصايا والآداب والأحكام الفقهية، وهو كتاب مشهور رواه غير واحد من التابعين وأتباع التابعين([1]).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب كتابًا لأهل جُرَش فيه النهي عن شراب خليط التمر والزبيب([2])، وعن عبد الله بن عُكَيم رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب كتابًا لقبيلة جُهينة فيه النهي عن الانتفاع بإهاب الميتة وعصَبها([3])، وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ))، وهو رجل من أهل اليمن طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتبوا له خطبته يوم فتح مكة([4])، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه، فنهتني قريش وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا؟! فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأومأ بأصبعه إلى فيه فقال: ((اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ))([5]).
وورد عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وأنس بن مالك رضي الله عنهم أنهم قالوا: (قيِّدوا العلم بالكِتاب)([6])، وبدأ تدوين الحديث النبوي منذ عهد الصحابة رضي الله عنهم، فقد كانوا يحرصون على حفظ السنة النبوية في صدورهم، وثبت عن غير واحدٍ من الصحابة أنهم كتبوا بعض الأحاديث النبوية في حياة النبي عليه الصلاة والسلام أو بعد موته، والصحابة الذين ثبت عنهم بالأسانيد الصحيحة الصريحة كتابة بعض الأحاديث واحدٌ وعشرون صحابيًّا، هم:
أبو بكر الصديق – عمر – علي - عبد الله بن عمرو – عبد الله بن عمر – عبد الله بن عباس - عبد الله بن أبي أوفى – عبد الله بن الزبير – معاوية – المغيرة بن شعبة – النعمان بن بشير – أنس بن مالك – زيد بن أرقم – رافع بن خديج – سعد بن عبادة – أبو بكرة الثقفي – أُسَيد بن ظُهير الأنصاري – أم المؤمنين عائشة – الضحاك بن سفيان الكلابي – جابر بن سمرة – سمُرة بن جندُب([7]).
وهذه 15 رواية صحيحة صريحة في كتابة غير واحدٍ من الصحابة بعض الأحاديث النبوية ولو حديثًا واحدًا:
1 – أبو بكر الصديق رضي الله عنه، عن أنس رضي الله عنه أن أبا بكر كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: بسم الله الرحمن الرحيم هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله)، وهو حديث طويل فيه تفاصيل زكاة الأنعام، وختمه بخاتم النبي صلى الله عليه وسلم([8]).
2 – عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عن مالك أنه قرأ كتاب عمر بن الخطاب في الصدقة، قال: فوجدت فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الصدقة)، وهو حديث طويل يشبه الكتاب الذي كتبه أبو بكر في تفاصيل زكاة الأنعام([9])، وعن أبي عثمان النهدي قال: كتب إلينا عمر ونحن بأذربيجان مع عتبة بن فَرْقَد أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لُبْس الحرير([10]).
3 - علي بن أبي طالب رضي الله عنه، روى غير واحد من التابعين عن علي رضي الله عنه أنه كتب صحيفة فيها بعض الأحاديث التي سمعها من النبي عليه الصلاة والسلام([11]).
4 – عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، كان يكتب الحديث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وقال له النبي عليه الصلاة والسلام: ((اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ))([12])، وكان يسمي الصحيفة التي كتبها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الصادقة([13]).
5 - عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، عن القعقاع بن حكيم قال: كتب عبد العزيز بن مروان إلى ابن عمر أن ارفع إليَّ حاجتك، فكتب إليه ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: ((إِنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ))، ولست أسألك شيئًا، ولا أرد رزقًا رزقنيه الله منك([14]).
6 - عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، عن ابن أبي مُلَيكة قال: كتبت إلى ابن عباس فكتب إلي: ((إن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن اليمين على المُدَّعى عليه))([15]).
7 – عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما، كتب عبد الله بن أبي أوفى إلى بعض الأمراء: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أيامه التي لقي فيها العدو، انتظر حتى مالت الشمس، ثم قام في الناس فقال: ((أَيُّهَا النَّاسُ، لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، وَسَلُوا اللَّهَ العَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلاَلِ السُّيُوفِ))، ثم قال: ((اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الأَحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ))([16]).
8 – عبد الله بن الزبير بن العوام رضي الله عنهما، كتب ابن الزبير إلى قاضيه على الكوفة عبد الله بن عتبة بن مسعود كتابًا فيه جواب عن سؤالٍ سأله، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ خَلِيلًا لاَتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ))([17]).
9 - المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، عن الشعبي قال: حدثني ورَّاد كاتب المغيرة بن شعبة قال: كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة: أن اكتب إلي بشيء سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم، فكتب إليه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول عند انصرافه من الصلاة المكتوبة: ((لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ))، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ المَالِ، وَمَنْعٍ وَهَاتِ، وَعُقُوقِ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدِ البَنَاتِ))([18]).
10 - أنس بن مالك رضي الله عنه، قال أنس بن مالك: حدثني محمود بن الربيع عن عِتبان بن مالك، فذكر حديثًا طويلًا، وفي آخره: قال أنس: (فأعجبني هذا الحديث، فقلت لابني: اكتبه فكتبه)([19]).
11 - زيد بن أرقم رضي الله عنه، كتب زيد بن أرقم إلى أنس بن مالك يعزيه فيمن أصيب من أهله وبني عمه يوم الحَرَّة: إني أبشرك ببشرى من الله، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ، وَلِأَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ، وَلِأَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ))([20]).
12 – رافع بن خَدِيج رضي الله عنه، عن نافع بن جبير أن مروان بن الحكم خطب الناس، فذكر مكة وأهلها وحرمتها، ولم يذكر المدينة وأهلها وحرمتها، فناداه رافع بن خديج فقال: (ما لي أسمعك ذكرت مكة وأهلها وحرمتها، ولم تذكر المدينة وأهلها وحرمتها، وقد حرَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين لابتيها، وذلك عندنا في أديم خولاني إن شئتَ أقرأتُكه)([21]).
13 - سعد بن عبادة رضي الله عنه، عن إسماعيل بن عمرو بن قيس بن سعد بن عبادة عن أبيه أنهم وجدوا في كتب سعد بن عبادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قضى باليمين مع الشاهد)([22]).
14 - جابر بن سمُرة رضي الله عنهما، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص قال: كتبت إلى جابر بن سمرة مع غلامي نافع أن أخبرني بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكتب إليَّ: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: فذكر خمسة أحاديث([23]).
15 – سمُرة بن جُندُب رضي الله عنه، كتب صحيفة فيها أحاديث سمعها من النبي عليه الصلاة والسلام، وصحيفة سمُرة مشهورة، وكتب الحسن البصري نسخة له من هذه الصحيفة، وكان يروي منها بعض الأحاديث([24]).
فضيلة حفظ الحديث النبوي
وحرص الصحابة والتابعين على حفظه ومذاكرته
عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ))([25])، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تَسْمَعُونَ، وَيُسْمَعُ مِنْكُمْ، وَيُسْمَعُ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْكُمْ))([26]).
وقد حفظ الصحابة الأحاديث النبوية عن ظهر قلب، وكانوا يحرصون على أن يحفظ السامعون منهم الأحاديث النبوية، ويتواصون بمذاكرة الحديث حتى لا ينسى، عن نافع عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: (إذا أراد أحدكم أن يروي حديثًا فليردده ثلاثًا)([27])، وعن أبي زُرعة بن عمرو بن جرير أن أبا هريرة كان إذا حدَّث بالحديث أعاده ثلاث مرات([28])، وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: (تذاكروا هذا الحديث، لا ينفلت منكم، فإنه ليس مثل القرآن مجموع محفوظ، وإنكم إن لم تذاكروا هذا الحديث ينفلت منكم، ولا يقولن أحدكم: حدثت أمس فلا أحدث اليوم، بل حدِّث أمس، ولتحدث اليوم، ولتحدث غدًا)([29])، وعن ابن عباس قال: (إذا سمعتم مني حديثًا فتذاكروه بينكم، فإنه أجدر وأحرى ألا تنسوه)([30]).
وكان رواة الحديث من التابعين ومن بعدهم يحفظون الأحاديث شيئًا فشيئًا بلا إكثار من أجل الإتقان، عن ابن شهاب الزهري قال: (من طلب العلم جملة فاته جملة، وإنما يُدرك العلم حديث وحديثان)([31])، وعن مَعْمر بن راشد قال: (إنما كنا نطلب حديثًا وحديثين)([32])، وعن سفيان الثوري قال: (كنت آتي الأعمش ومنصورًا فأسمع أربعة أحاديث، خمسة، ثم أنصرف، كراهة أن تكثر وتفلِت)([33])، وعن شعبة قال: ( كنت آتي قتادة فأسأله عن حديثين، فيحدثني، ثم يقول: أزيدك؟ فأقول: لا، حتى أحفظهما وأتقنهما)([34])، وعن هشام الدَّسْتُوَائِيُّ قال: (كنا ربما رجعنا من عند قتادة بنصف حديث، يحدثنا بالحديث فنتحفظه، فنحفظ نصفه، ثم نعود فنحفظ نصفه من الغد)([35])، وقال عبد الله بن وهب: (ما رأيت أحدًا أحفظ من عمرو بن الحارث، وذلك أنه كان قد جعل على نفسه يتحفظ كل يوم ثلاثة أحاديث)([36])، وكان غير واحد من المحدثين لا يُحدِّث طلابه في المجلس الواحد غالبًا إلا ثلاثة أحاديث فقط ليحفظوها بإتقان، منهم: أبو قِلابة والأعمش وأبو بكر بن عياش وعلي بن الجعد([37]).
وكان بعض حفَّاظ التابعين لا يكتفي بسماع الحديث مرة واحدة، مثل شعبة وزائدة بن قدامة وأبي خيثمة زُهير بن معاوية، قال أبو الوليد: سألت شعبة عن حديثٍ فقال: (والله لا حدثتك به، لم أسمعه إلا مرة)([38]).
وكان كثيرٌ من حفَّاظ التابعين وأتباع التابعين يحفظون الحديث حفظًا متقنًا من غير كتابة، ويتواصون بحفظ الحديث ومذاكرته.
قال علقمة بن قيس النَّخَعي الكوفي (ت نحو 62 هـ): (تذاكروا الحديث؛ فإنَّ ذكره حياته)([39]).
وعن عطاء بن أبي رباح قال: (كنا نكون عند جابر بن عبد الله فيحدثنا، فإذا خرجنا من عنده تذاكرنا حديثه، فكان أبو الزبير من أحفظنا للحديث)([40]).
وعن إسماعيل بن أبي خالد قال: (كان الشعبي وأبو الضحى وإبراهيم النخعي وأصحابنا يجتمعون في المسجد فيتذاكرون الحديث)([41]).
وقال يونس بن عبيد: (كنا نأتي الحسن البصري، فإذا خرجنا من عنده تذاكرنا بيننا)([42]).
وعن عمرو بن مُرة قال: جلسنا إلى الزهري ومعنا ذَرُّ الهمداني، فجعل الزهري يُحدِّث ويقول لنا ذرٌّ: (احفظوا، احفظوا)([43]).
وعن الزهري قال: (آفة العلم النسيان، وترك المذاكرة)([44]).
ومن كبار حفاظ التابعين عامر الشعبي الكوفي (ت نحو 104 هـ)، قال عن نفسه: (ما كتبت سوداء في بيضاء قط، ولا حدثني رجل بحديث فأحببت أن يعيده عليَّ، ولا حدثني رجل بحديث إلا حفظته)([45])، وقال الشعبي: (ما أروي شيئًا أقل من الشِّعر، ولو شئتُ لأنشدتكم شهرًا لا أعيد!)([46]).
كتابة التابعين بعض الأحاديث النبوية في القرن الأول الهجري
الصحابة وغالب التابعين كانوا يعتمدون على حفظ الأحاديث النبوية في صدورهم، وكان كثير من التابعين يكتبون الأحاديث التي سمعوها من الصحابة، ويحثون طلاب العلم على كتابة الأحاديث وحفظها، وبدأ العلماء يكتبون الأحاديث النبوية منذ القرن الأول الهجري، وكان لكثيرٍ من التابعين وطلابهم صحفٌ مكتوبٌ فيها بعض الأحاديث النبوية.
قال الشعبي (ت نحو 104 هـ): (إذا سمعت شيئًا فاكتبه ولو في الحائط)([47]).
وقال معاوية بن قُرَّة (ت 113 هـ): (من لم يكتب العلم فلا تعدوه عالمًا)([48]).
ونصح سليمان التيمي (ت 143 هـ) ابنه بشراء الصحف لكتابة الأحاديث فيها، قال المعتمر بن سليمان: (كتب إلي أَبي وأنا بالكوفة: أن اشتر الصحف، واكتب العلم؛ فإن المال يذهب، والعلم يبقى)([49]).
ومن أقدم من كتب الأحاديث النبوية: همام بن منبِّه الصنعاني، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج المدني، وبَشير بن نَهيك البصري، كل واحدٍ من هؤلاء الثلاثة كتب أحاديث سمعها من أبي هريرة رضي الله عنه، ووفاة أبي هريرة سنة 58 للهجرة.
كتب همَّام بن مُنبِّه (ت 131 هـ) نسخة عن أبي هريرة رضي الله عنه فيها 139 حديثًا، وتسمى هذه الصحيفة صحيفة همام، روى البخاري في صحيحه منها 43 حديثًا، وروى مسلم في صحيحه منها 83 حديثًا.
وكتب عبد الرحمن بن هرمز الأعرج (ت 117 هـ) نسخة عن أبي هريرة تشبه نسخة همام عن أبي هريرة في كثير من الأحاديث([50]).
وكتب بَشِير بن نَهِيك (ت قبل سنة 100 هـ) نسخة عن أبي هريرة، قال بَشير بن نَهيك: كنت أكتب ما أسمعه من أبي هريرة، فلما أردت أن أفارقه أتيته بكتابي فقلت: هذا ما سمعته منك؟ قال: (نعم)([51]).
ومن التابعين الذين كتبوا الأحاديث النبوية: محمد بن علي بن أبي طالب المشهور بابن الحنفية (ت قبل سنة 80 هـ)، ومحمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الملقب بالباقر (ت 114 هـ)، وعبد الله بن محمد بن عَقيل بن أبي طالب (ت بعد سنة 140 هـ)، كان هؤلاء الثلاثة يكتبون الأحاديث التي يسمعونها من جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما المتوفى سنة 78 للهجرة، قال عبد الله بن محمد بن عَقيل: (كنت أنطلق أنا ومحمد بن علي أبو جعفر ومحمد بن الحنفية إلى جابر بن عبد الله فنسأله عن سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن صلاته، فنكتب عنه ونتعلم منه)([52]).
وكتب سليمان اليَشكري (ت قبل سنة 80 هـ) صحيفة عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما، وكانت أحاديث هذه الصحيفة مشهورة عند التابعين، وثبت عن التابعي الجليل قتادة بن دعامة (ت 117 هـ) أنه كان يحفظ صحيفة جابر حفظًا متقنًا([53]).
وكتب أبو الزبير محمد بن مسلم بن تَدرُس المكي (ت 126 هـ) أحاديث كثيرة عن جابر بن عبد الله([54]).
وكتب عروة بن الزبير بن العوام (ت 94 هـ) بعض الأحاديث عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها([55])، وكان عند ولده هشام بن عروة بن الزبير أحاديث أبيه مجموعة في دفتر([56]).
وروى مسلم في صحيحه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف (ت 94 هـ) عن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها حديثًا طويلًا في بيان أن المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها ولا سكنى، قال أبو سلمة: (كتبتُ ذلك مِن فِيها كتابًا)([57])، وعن محمد بن إسحاق قال: (رأيت أبا سلمة بن عبد الرحمن يأخذ بيد الصبي من الكُتَّاب فيذهب به إلى البيت فيُملي عليه الحديث يكتب له)([58]).
وكان لجماعة من أصحاب عبد الله بن عباس رضي الله عنهما المتوفى سنة 68 هـ كتبٌ فيها أحاديث وآثار مكتوبة، مثل سعيد بن جبير (ت 95 هـ)([59])، وكُرَيب مولى ابن عباس (ت 98 هـ)([60])، ومِقسَم مولى ابن عباس (ت 101 هـ)([61])، ومجاهد بن جبر (ت نحو 104 هـ)([62])، وعكرمة مولى ابن عباس (ت نحو 107 هـ)([63]).
وسأل مجاهدُ بن جَبْر عبدَ الله بن عباس رضي الله عنه عن تفسير القرآن آية آية، وكتب عنه تفسيره، عن ابن أبي نَجيح عن مجاهد قال: (عرضت القرآن على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته ثلاث عرضات أقِفه عند كل آية)([64])، وعن ابن أبي مُلَيكة قال: (رأيت مجاهدًا يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه فيقول له ابن عباس: اكتب، حتى سأله عن التفسير كله)([65]).
وعن طاوس قال: (كنت أنا وسعيد بن جبير عند ابن عباس يحدثنا ويكتب سعيد بن جبير)([66]).
وعن موسى بن عُقبة قال: (وضع عندنا كُرَيب مولى ابن عباس حِمْل بعيرٍ من كتب ابن عباس)([67]).
وكان لعَبيدة السَّلماني الكوفي (ت نحو 70 هـ) كتبٌ فيها أحاديث سمعها من الصحابة رضي الله عنهم([68]).
وقال أبو قِلابة عبد الله بن زيد الجَرمي البصري (ت 104 هـ): (الكتاب أحب إليَّ من النسيان)([69])، وكان حريصًا على كتابة ما يسمعه من الصحابة والتابعين، وكانت له كتبٌ كثيرة، وأوصى بكتبه إلى تلميذه أيوب السختياني، قال حماد بن زيد: (مات أبو قِلابة بالشام فأوصى بكتبه لأيوب، فأرسل أيوب فجيء به عِدل راحلة)([70]).
وكان للحسن البصري (ت 110 هـ) صحيفة مطوية فيها أحاديث مكتوبة([71])، وقال: (إنما نكتب الحديث لنتعاهده)([72])، وأملى الحسن التفسير على طلابه فكتبوه عنه([73])، وعن يونس بن عُبيد قال: (كان الحسن يَكتب ويُكتِب)([74])، وقال حماد بن سلمة: (أخذ حُمَيد الطويل كتب الحسن، فنسخها، ثم ردها عليه)([75]).
وكان لعبد الرحمن بن عائذ الأزدي الحمصي (ت قبل سنة 100 هـ) كتبٌ جمع فيها بعض ما سمعه من علماء الصحابة والتابعين([76]).
وكان لخالد بن مَعْدان الكَلاعي الحِمصي (ت نحو 103 هـ) كتابٌ متقن كالمصحف له أزرار، فيه بعض ما سمعه من علماء الصحابة والتابعين([77]).
وكان للتابعي المشهور نافع مولى ابن عمر (ت نحو 117 هـ) كتابٌ فيه أحاديثه التي سمعها من عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما (ت 73 هـ)، فكان طلاب نافع يكتبون تلك الأحاديث ويقرءونها عليه([78]).
وفي موطأ الإمام مالك أكثر من مائتي رواية مرفوعة وموقوفة رواها مالك عن نافع مولى ابن عمر، منها ثمانون حديثًا مرفوعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم([79]).
وكان للتابعي أبي حازم سلَمة بن دينار المدني (ت نحو 140 هـ) كتابٌ فيه أحاديثه التي سمعها من سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنهما (ت 88 هـ)، وهو آخر من مات من الصحابة بالمدينة النبوية([80]).
وأول من توسع في كتابة الأحاديث عن مشايخه الذين لقيهم من الصحابة والتابعين محمد بن شهاب الزهري (ت 124 هـ)، فكتب كل ما سمعه من الأحاديث النبوية وأقوال الصحابة وفتاواهم، وكانت كتابته للعلم في حياة بعض الصحابة وفقهاء المدينة من التابعين، فإنه ولد سنة 50 أو 51 هـ، وأدرك سهل بن سعد (ت 88 هـ)، وأنس بن مالك (ت 93 هـ)، ولازم سيد التابعين في زمانه سعيد بن المسيب (ت 94 هـ) ثماني سنوات، وأخذ العلم عن عروة بن الزبير بن العوام (ت 94 هـ)، وعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ت 94 هـ)، وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف (ت 94 هـ)، وعُبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود (ت 98 هـ)، وكل هؤلاء التابعين توفوا قبل أن يتولى عمر بن عبد العزيز الخلافة سنة 99.
عن عبد العزيز الدراوردي قال: (أول من دوَّن العلم وكتبه ابن شهاب)([81])، وقال صالح بن كيسان: (اجتمعت أنا وابن شهاب الزهري ونحن نطلب العلم على أن نكتب السنن، فكتبنا كل شيء سمعنا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال الزهري: نكتب ما جاء عن أصحابه، فقلت: لا، ليس بسنة، فقال: بلى هو سنة، فكتب ولم أكتب، فأنجح وضيَّعتُ)([82])، وعن أبي الزناد قال: (كنا نكتب الحلال والحرام، وكان ابن شهاب يكتب كل ما سمع، فلما احتيج إليه علمت أنه أعلم الناس)([83]).
ثم في سنة 99 تولى الخلافة عمر بن عبد العزيز، وكانت ولادته سنة 61، ووفاته سنة 101 هـ)، وأمر بكتابة الأحاديث النبوية خوفًا من ضياعها، فكتب إلى واليه على المدينة أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (أن انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه؛ فإني خفت دُرُوسَ العلم وذهابَ العلماء)([84])، وقال ابن شهاب الزهري: (أمَرَنا عمر بن عبد العزيز بجمع السنن فكتبناها دفترًا دفترًا، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفترًا)([85]).
فتبين مما سبق أن كتابة التابعين الأحاديث النبوية كانت من قبل خلافة عمر بن عبد العزيز بمدة طويلة، فقد كتب بعض التابعين الأحاديث النبوية التي سمعوها من أبي هريرة وعائشة وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وجابر الأنصاري وسهل الساعدي وغيرهم ممن مات قبل مولد عمر بن عبد العزيز أو قبل توليه الخلافة بسنين عديدة.
استمرار تدوين الأحاديث النبوية في القرن الثاني الهجري
كان للتابعي أيوب السَّختياني (ت 131 هـ) كتابٌ فيه بعض أحاديثه التي سمعها من شيوخه([86]).
وكتب التابعي يحيى بن أبي كثير اليمامي (ت 132 هـ) أحاديث كثيرة عن شيوخه([87]).
وقال الأوزاعي: دفع إليَّ يحيى بن أبي كثير صحيفة فقال: اروها عني، ودفع إليَّ الزهري صحيفة فقال: اروها عني([88]).
وكان للتابعي العلاء بن عبد الرحمن المدني (ت 138 هـ) نسخة مشهورة يرويها عن أبيه عن أبي هريرة([89])، روى مالك في موطئه ثم مسلم في صحيحه كثيرًا منها.
وجمع موسى بن عقبة المدني (ت 141 هـ) المغازي وكتبها عن شيوخه، وبعضهم من أبناء الصحابة وأحفادهم، وكذلك فعل قرينُه محمد بن إسحاق بن يسار المدني (ت 151 هـ) الذي جمع السيرة النبوية في كتابه المشهور بسيرة ابن إسحاق، وأملاه على تلميذه زياد البكَّائي مرَّتين([90]).
وقال سليمان الأعمش الكوفي (ت 148 هـ): (كتبت عن أبي صالح السَّمَّان ألف حديث)([91])، وقال أبو جعفر الفراء: (كان الأعمش يسمع من أبي إسحاق، ثم يجيء فيكتبه في منزله)([92])، ثم كان الأعمش يحدث طلاب العلم بأحاديثه فيكتبونها عنه في كتبٍ([93])، واشتهرت أحاديث الأعمش في حياته، وحُمِلت إلى غيره، وحين قرأ الزهري (ت 124 هـ) كتابًا من أحاديث الأعمش قال: (والله إن هذا لعلم، ما كنت أرى أحدًا يعلم هذا!)([94])، والزهري توفي قبل الأعمش بـ 24 سنة.
وعن عتبة بن أبي حكيم قال: كنت عند عطاء بن أبي رباح (ت 114 هـ) ونحن غلمان فقال: (يا غلمان، تعالوا اكتبوا، فمن كان منكم لا يحسن كتبنا له، ومن لم يكن معه قرطاس أعطيناه من عندنا)([95]).
واستمر طلاب العلم من أتباع التابعين في حفظ وتدوين الأحاديث التي سمعوها من شيوخهم من التابعين، وأذكر أربعة أمثلة:
1 - عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيج المكي (ت 150 هـ)، لازم شيخه عطاء بن أبي رباح ثماني عشرة سنة([96])، ثم جمع ابن جُريج رواياته التي سمعها من عطاء وغيره من مشايخه من الأحاديث النبوية والتفسير والفقه في عدة كتبٍ مصنَّفة رواها عنه طلابه، وهو أول من صنَّف العلم في مكة، قال يحيى بن سعيد القطان: (كنا نسمي كتب ابن جُرَيج كتب الأمانة)([97]).
ومن أشهر أصحاب ابن جُريج الذين قرأوا عليه كتبه: حجَّاج بن محمد المِصِّيصِيُّ([98]).
ولما قدِم ابن جُريج المكي صنعاء قرأوا عليه كتبه، قال هشام بن يوسف الصنعاني: (عرضنا كتب ابن جُرَيج عليه)([99])، ولما قدِم ابن جُرَيج البصرة كتب عنه رواة الحديث إملاء([100]).
2 - شُعيب بن أبي حمزة الحِمصي (ت 162 هـ)، جمع أحاديثه عن نافع عن ابن عمر في نسخة، وأحاديثه عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة في نسخة، وأحاديثه عن الزهري في نسخة([101])، قال أحمد بن حنبل قال: (رأيت كتب شعيب، فرأيت كتبًا مضبوطة مقيدة)([102]).
وقد روى البخاري في صحيحه جميع أحاديث نسخة شعيب بن أبي حمزة عن الزهري من طريق شيخه أبي اليمان الحكم بن نافع عن شعيب عن الزهري([103])، وهي نحو 230 حديثًا تقريبًا.
3 - حماد بن سلَمة (ت 167 هـ) محدث البصرة المشهور، كانت له كتب فيها أحاديثه عن شيوخه من التابعين، وله نسخة حديثية مشهورة يرويها عن ثابت البُناني عن أنس بن مالك رضي الله عنه روى أحمد في مسنده منها 233 حديثًا([104])، وهو من أوائل الذين صنَّفوا العلم في البصرة، وكان يُملي الحديث على طلابه([105]).
4 – الإمام مالك بن أنس الأصبحي المدني (ت 179 هـ)، ألف كتابه الموطأ، وهو أقدم وأشهر كتاب حديثي مبوَّب على الأبواب الفقهية، وقد اجتهد العلماء في كتابة الموطأ وروايته عن مالك مباشرة ثم عن طلابه ثم عن طلاب طلابه، فلا يحصي عددَ من روى الموطأ إلا الله سبحانه، ومن أشهر تلاميذ مالك الذين رووا عنه الموطأ: عبد الله بن مسْلَمة القَعنبي، وعبد الله بن يوسف التِّنِّيسي، وعبد الرحمن بن القاسم، ويحيى بن يحيى الليثي الأندلسي، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن وهب المصري، وأبو مصعب الزهري، ومعن بن عيسى القزَّاز، وغيرهم، فكان طلاب مالك يكتبون الموطأ من نسخة مالك أو من نسخة أخرى مصححة مقروءة على مالك ثم يقرءون الموطأ على مالكٍ وهم يقابلون نسخهم التي كتبوها، فيقرأ أحد الطلاب على مالك والبقية ينظرون في نسخهم، ثم يقول الراوي عن كل حديث في الموطأ: أخبرنا مالك أو حدثنا مالك، وكان بعضهم يفرق بين أخبرنا وحدثنا، فيقول: أخبرنا إذا قرئ الحديث على الشيخ، وحدثنا إذا قرأ الشيخ الحديث بنفسه([106]).
تدوين بعض الرواة الأحاديث النبوية بالكتابة من غير حفظ في الصدر
غالب حفاظ الحديث كانوا يجمعون بين كتابة الحديث وحفظه غيبًا، وأخبارهم في الحفظ والإتقان مشهورة، وكان بعض رواة الحديث يصعب عليهم حفظ الأحاديث عن ظهر قلب، فكانوا يكتبون الأحاديث في كتب مضبوطة يعتمدون عليها، ولا يعتمدون على حفظ الأحاديث في صدورهم، منهم:
1 - أبو الزِّناد عبد الله بن ذكوان (ت 131 هـ)، قال ابن حبان: (كان أبو الزناد من فقهاء المدينة وعبادهم، وكان صاحب كتاب لا يحفظ)([107])، فالتابعي أبو الزناد كان لا يحفظ الأحاديث غيبًا لكنه كان صاحب كتابٍ صحيح، فوثَّقه العلماء؛ لأن المطلوب من الراوي ضبط الأحاديث التي سمعها من شيوخه إما بالحفظ في الصدر وإما بالحفظ في كتابٍ صحيحٍ، وكانت أحاديث أبي الزناد عن الأعرج مجموعة محفوظة في كتابٍ مكتوب في أوله: (هذا ما سمعته من عبد الرحمن بن هرمز الأعرج)([108])، ونسخة أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة نسخة مشهورة جدًا، روى أحاديث هذه النسخة أصحاب الكتب التسعة.
2 - عُقَيل بن خالد الأيلي (ت 144 هـ)، أحد الأثبات الثقات، وهو من أتقن أصحاب الزهري، وكان صاحب كتاب لا يحفظ حديثه عن ظهر قلب([109])، وله في الكتب الستة عشرات الأحاديث غالبها من طريق الليث بن سعد عن عُقيل عن الزهري([110]).
3 - محمد بن جعفر البصري الملقب غُندَر (ت 193 هـ)، كتب وسمع جميع أحاديث شيخه شعبة، قال: لزمت شعبة عشرين سنة لم أكتب فيها عن أحد غيره، كنت أسمع منه الحديث فأكتبه، ثم آتيه به فأعرضه عليه، وقال يحيى بن معين: كان أصح الناس كتابًا، وأراد بعض الناس أن يُخطِّئ غندرًا فلم يقدر! وأخرج غندر إلينا ذات يوم جِرابًا فيه كتب فقال: اجهَدوا أن تُخرِجوا فيها خطأ، فما وجدنا فيه شيئًا [من الخطأ]، وقال عبد الله بن المبارك: إذا اختلف الناس في حديث شعبة فكتاب غُندَر حكم بينهم([111]).
الخاتمة
كان الصحابة وغالب التابعين يحفظون الأحاديث النبوية في صدورهم، وثبت عن 21 صحابيًّا كتابة بعض الأحاديث النبوية في حياة النبي عليه الصلاة والسلام أو بعد موته، وكان كثير من التابعين يكتبون الأحاديث التي سمعوها من الصحابة، ويحثون طلاب العلم على كتابة الأحاديث وحفظها ومذاكرتها، وثبت بالنقل المتواتر الذي يفيد اليقين أن كتابة الأحاديث النبوية بدأت منذ عهد الصحابة رضي الله عنهم، ثم كثرت في عهد علماء التابعين في القرن الأول الهجري من قبل أن يتولى عمر بن عبد العزيز الخلافة سنة 99، ثم انتشرت كتابة الأحاديث في القرن الثاني الهجري، وبدأ علماء الحديث من أتباع التابعين بتصنيف كتب الحديث في القرن الثاني الهجري، فكتبوا في تصانيفهم الأحاديث النبوية التي سمعوها من شيوخهم، ومنهم بعض التابعين الذين سمعوا الأحاديث من الصحابة رضي الله عنهم مباشرة أو ممن روى عن الصحابة، وكان بعض الرواة الثقات يكتفون بكتابة الأحاديث النبوية من غير حفظ في الصدر، فالحمد لله الذي حفظ لنا سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلَّم بالقلم، علَّم الإنسان ما لم يعلم.