مشروعية كتابة الحديث النبوي
وبيان توجيه العلماء لحديث أبي سعيد الخدري في النهي عن كتابة الحديث
بقلم/ محمد بن جميل المطري
اعلم أن العلماء أجمعوا على استحباب تقييد العلم بالكتابة، قال الله تعالى: {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} [العلق: 3، 4]، وأقسم سبحانه بالقلم وما يسطره الكاتبون بيانًا لأهمية الكتابة في حفظ مصالح الناس الدينية والدنيوية فقال: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} [القلم: 1]، وروى البخاري (2434) ومسلم (1355) من طريق الوليد بن مسلم قال: حدثنا الأوزاعي قال: حدثني يحيى بن أبي كثير قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن قال: حدثني أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوم فتح مكة فقال أبو شاهٍ رجلٌ من أهل اليمن: اكتبوا لي يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ))، قال الوليد: فقلت للأوزاعي: ما قوله: اكتبوا لي يا رسول الله؟ قال: هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وروى أحمد بن حنبل في مسنده (6510) وأبو داود في سننه (3646) وغيرهما بإسنادٍ صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه، فنهتني قريش وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا؟! فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأومأ بأصبعه إلى فيه فقال: ((اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ)).
وروى البخاري (113) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثًا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب).
وكانت هذه الصحيفة التي كتبها عبد الله بن عمرو يسميها الصادقة، روى الدارمي في سننه (513) والخطيب البغدادي في كتابه تقييد العلم (ص: 84) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: (الصادقة صحيفة كتبتها من رسول الله صلى الله عليه).
وعلماء الحديث رحمهم الله يكتبون ما لهم وما عليهم، وما يعجبهم وما لا يعجبهم، وما يعرفون معناه وما يشكِل عليهم معناه، وهذا من أمانتهم وإنصافهم، ومن ذلك ما رواه مسلم في آخر صحيحه (3004) من حديث همَّام بن يحيى العوذي عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لَا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ، وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ))، فهذا الحديث فيه النهي عن كتابة الحديث، وفي نفس هذا الحديث الأمر بالتحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم حفظًا بلا كتابة، والتحذير من الكذب عليه.
وللعلماء أجوبة عن هذا الحديث، والجمع بينه وبين الأحاديث الدالة على كتابة الحديث، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (1/ 208): "الجمع بينهما أن النهي خاص بوقت نزول القرآن خشية التباسه بغيره والإذن في غير ذلك، أو أن النهي خاص بكتابة غير القرآن مع القرآن في شيء واحد والإذن في تفريقهما، أو النهي متقدم والإذن ناسخ له عند الأمن من الالتباس، وهو أقربها، مع أنه لا ينافيها، وقيل: النهي خاص بمن خشي منه الاتكال على الكتابة دون الحفظ والإذن لمن أمن منه ذلك، ومنهم من أعلَّ حديث أبي سعيد، وقال: الصواب وقفه على أبي سعيد، قاله البخاري وغيره"، وقال الحافظ المِزِّي في تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف (3/ 408) عن حديث أبي سعيد الخدري: "قال أبو داود: هو منكَر، أخطأ فيه همَّام، هو من قول أبي سعيد"، وقد روى الترمذي (2665) والدارمي (465) وغيرهما حديث أبي سعيد من طريق سفيان بن عيينة عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: (استأذنا النبي صلى الله عليه وسلم في الكتابة فلم يأذن لنا)، وروى أبو داود (3648) بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري قال: (ما كنا نكتب غير التشهد والقرآن)، وروى الرَّامَهُرْمُزِيّ في المحدث الفاصل بين الراوي والواعي (ص: 379) من طريق أبي نضرة قال: قيل لأبي سعيد: أنكتب حديثكم هذا؟ قال: (لا، لم تجعلونه قرآنًا؟! ولكن احفظوا كما حفظنا).
فقد كان أبو سعيد وبعض الصحابة ينهون عن كتابة الحديث، ويأمرون بحفظه، روى الخطيب البغدادي في تقييد العلم (ص: 40) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه نهى عن كتابة الحديث، وقال: (احفظوا عنا كما حفظنا)، وروى الخطيب البغدادي في تقييد العلم (ص: 41) عن سعيد بن أبي الحسن قال: لم يكن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه أكثر حديثًا من أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه، وإن مروان بن الحكم زمن هو على المدينة أراد أن يكتب حديثه فأبى أبو هريرة وقال: (ارو كما رويناه)، قال الخطيب البغدادي في كتابه تقييد العلم (ص: 93): "أبو سعيد هو الذي روي عنه أن رسول الله صلى الله عليه قال: ((لا تكتبوا عني سوى القرآن، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه))، ثم هو يخبر أنهم كانوا يكتبون القرآن والتشهد، وفي ذلك دليل أن النهي عن كتب ما سوى القرآن إنما كان على الوجه الذي بيناه من أن يُضاهى بكتاب الله تعالى غيرُه، وأن يُشتغل عن القرآن بسواه، فلما أُمِن ذلك ودعت الحاجة إلى كَتْب العلم لم يُكره كتبُه، كما لم تكره الصحابةُ كتْبَ التشهد، ولا فرق بين التشهد وبين غيره من العلوم في أن الجميع ليس بقرآن، ولن يكون كتْب الصحابة ما كتبوه من العلم وأَمروا بكتْبه إلا احتياطًا كما كان كراهتهم لكتْبه احتياطًا، والله أعلم"، وقال القاضي عياض في إكمال المعلم بفوائد مسلم (8/ 553): "بين السلف اختلاف كبير في كتابة العلم من الصحابة والتابعين، فكرهه كثيرٌ منهم، وأجازه الأكثر، فمنعُه لما جاء من النهي عنه، ومخافة الاتكال على الكتاب وترك الحفظ، ولئلا يكتب شيء مع القرآن، ومنهم من كان يكتب، فإذا حفظ محا، ثم وقع بعد الاتفاق على جوازه لما جاء عنه عليه السلام من إذنه لعبد الله بن عمرو فى الكتاب"، وقال ابن الصلاح في معرفة أنواع علوم الحديث (ص: 183): "ثم إنه زال ذلك الخلاف، وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته، ولولا تدوينه في الكتب لدرَس في الأعصر الآخرة"، وقال الذهبي سير أعلام النبلاء (3/ 80، 81): "ثم انعقد الإجماع بعد اختلاف الصحابة رضي الله عنهم على الجواز والاستحباب لتقييد العلم بالكتابة. والظاهر أن النهي كان أولًا لتتوفر هممهم على القرآن وحده، وليمتاز القرآن بالكتابة عما سواه من السنن النبوية، فيؤمن اللبس، فلما زال المحذور واللبس، ووضح أن القرآن لا يشتبه بكلام الناس، أذن في كتابة العلم، والله أعلم".
روى الخطيب البغدادي في كتابه تقييد العلم (ص: 88، 89، 92، 96) بعدة أسانيد عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وأنس بن مالك رضي الله عنهم أنهم قالوا: (قيِّدوا العلم بالكتاب)، وروى ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (1/ 321) عن التابعي معاوية بن قُرَّة قال: (من لم يكتب العلم فلا تعدوه عالمًا)، وروى الرَّامَهُرْمُزي في المحدِّث الفاصل (ص: 377) عن أبي صالح الفرَّاء الأنطاكي قال: سألت عبد الله بن المبارك عن كتاب الحديث فقال: (لولا الكتاب ما حفظنا)، وروى ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (1/ 330) عن أبي زُرعة قال: سمعت أحمد بن حنبل ويحيى بن معين يقولان: (كل من لا يكتب العلم لا يؤمن عليه الغلط).
فعجبًا لمن ينكر السُّنَّة النبوية ثم يستدل بحديث من السُّنَّة على الطعن في السُّنَّة! وهذا فعل أهل الزيغ في الطعن في القرآن الكريم، وفي السنة النبوية، {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 7]، وأهل العلم يؤمنون بالمحكم والمتشابه، ويجمعون بين الأدلة، ومن إنصافهم أنهم يكتبون جميع الروايات وإن كان فيها إشكال، ثم يوجِّهونها بعلم وإنصاف.
ومن العجيب أن الزائغين لا يلتفون إلى ما في نفس الحديث من الأمر بالتحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، وما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة والتابعين من الحث على حفظه، ويكفي في ذلك حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ)) رواه أبو داود (3660) وغيره بإسناد صحيح.
وقد كان الصحابة يعتمدون على حفظ السنة النبوية في صدورهم، ومع هذا جاء عن 52 من الصحابة رضي الله عنهم أنهم كتبوا بعض الأحاديث النبوية كما جمع ذلك الدكتور محمد مصطفى الأعظمي في كتابه دراسات في الحديث النبوي، وكثرت كتابة الحديث في عهد التابعين، وإن كان كثيرٌ منهم كان يعتمد على حفظه، ثم أطبق العلماء في عهد أتباع التابعين على كتابة الأحاديث عن شيوخهم التابعين عن الصحابة، وبدأ علماء أتباع التابعين في القرن الثاني الهجري ثم تلاميذهم ثم تلاميذ تلاميذهم في تصنيف كتب السَّنَّة في نُسَخٍ مضبوطة مسموعة، يسمعها الطلاب عن شيخهم، وينقلها المتأخر عن المتقدم بالأسانيد المتصلة، وجميع أمات كتب الحديث تُنقَل بالسماع إلى زماننا هذا، وكذلك القراءات القرآنية العشر المتواترة تُنقَل بالعرض والدراسة على مشايخ الإقراء المتصلة أسانيدهم إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فالإسناد من الدين، والحمد لله رب العالمين.