السنة النبوية وعلوم الحديث

رواية الإمام مسلم لبعض الأحاديث في صحيحه مع بيان علة في لفظ أو رواية

مشاركة المنشور:

رواية الإمام مسلم لبعض الأحاديث في صحيحه مع بيان علة في لفظ أو رواية

الإمام مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري رحمه الله هو أحد الأئمة الحفاظ وأعلام المحدثين، رحل في طلب الحديث إلى الحجاز والعراق والشام ومصر، وسمع أكثر من مئتين واثنين وعشرين شيخا، واستفاد من الإمام البخاري كثيرا، لا سيما في علم العلل، توفي رحمه الله سنة 261 هـ ، وله مصنفات كثيرة أعظمها صحيحه المشهور الذي صنفه في خمس عشرة سنة، وقال: "صنفت هذا المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة".

قال الذهبي في تذكرة الحفاظ: قال ابن الشرقي: سمعت مسلما يقول: "ما وضعت في كتابي هذا المسند إلا بحجة، وما أسقطت منه شيئا إلا بحجة".

وقد بين الإمام مسلم منهجه في مقدمة صحيحه فقال رحمه الله: "واعلم وفقك الله تعالى أن الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها وثقات الناقلين لها من المتهمين أن لا يروي منها إلا ما عرف صحة مخارجه والستارة في ناقليه، وأن يتقي منها ما كان منها عن أهل التُّهم والمعاندين من أهل البدع".

قال النووي في مقدمة شرحه لصحيح مسلم: "ومن حقق نظره في صحيح مسلم رحمه الله واطلع على ما أودعه في أسانيده وترتيبه وحسن سياقه وبديع طريقته من نفائس التحقيق وجواهر التدقيق وأنواع الورع والاحتياط والتحري في الرواية وتلخيص الطرق واختصارها وضبط متفرقها وانتشارها وكثرة اطلاعه واتساع روايته وغير ذلك مما فيه من المحاسن والأعجوبات واللطائف الظاهرات والخفيَّات؛ علم أنَّه إمام لا يلحقه من بَعُد عصره، وقل من يساويه بل يدانيه من أهل وقته ودهره، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم".

وقال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب: "حصل لمسلم في كتابه حظ عظيم مفرط لم يحصل لأحد مثله بحيث إن بعض الناس كان يفضله على صحيح محمد بن إسماعيل؛ وذلك لما اختص به من جمع الطرق وجودة السياق والمحافظة على أداء الألفاظ من غير تقطيع ولا رواية بمعنى".

وعدد أحاديث صحيح مسلم بدون المكرَّر ثلاثة آلاف وثلاثة وثلاثين حديثا، وقد انتقد غير واحد من الحفاظ بعض الأحاديث في صحيح مسلم، وهي مع قلتها أكثرها الانتقاد فيه غير مسلَّم، ومنها ما تم الانتقاد فيه على قواعد أهل الحديث، لكنها نزر يسير جدا لا تُعد شيئا في جنب الثلاثة الآلاف حديثا التي اشتمل عليها صحيحه، وهي غاية في الصحة ليس فيها أدنى علة.

ومن أشهر من انتقد بعض أحاديث صحيح مسلم: الحافظ الكبير أبو الحسن الدارقطني والحافظ ابن عمار الشهيد والحافظ أبو علي الغساني والحافظ أبو مسعود الدمشقي رحمهم الله، وانتقاد هؤلاء الحفاظ وغيرهم يزيد المسلم يقينا بصحة أحاديث الصحيحين، حيث إن علماء الحديث لم يحابوا الإمام مسلما مع عظيم قدره وعظيم منزلة صحيحه.

لكن هناك حقيقة علمية لا يعلمها كثير من الناس وهي أن مسلما رحمه الله قد يروي الحديث في صحيحه ليبين علة فيه، في لفظة معينة أو في رواية، وطريقته في صحيحه أنه يروي الحديث من أصح الطرق ثم قد يذكر طريقا لذلك الحديث فيها زيادة ضعيفة فيرويها ليبين علتها، وقد ذكر طريقته هذه في مقدمة صحيحه، ولم يتنبه لهذا بعض من ينتقده، حيث ينتقد ما ذكره مسلم ليبين علته!

قال الإمام مسلم في مقدمة صحيحه (1/ 4-7): "إنا إن شاء الله مبتدئون في تخريج ما سألت وتأليفه، على شريطة سوف أذكرها لك، وهو إنا نعمد إلى جملة ما أسند من الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنقسمها على ثلاثة أقسام، وثلاث طبقات من الناس على غير تكرار، إلا أن يأتي موضع لا يستغنى فيه عن ترداد حديث فيه زيادة معنى، أو إسناد يقع إلى جنب إسناد، لعلة تكون هناك، فأما القسم الأول، فإنا نتوخى أن نقدم الأخبار التي هي أسلم من العيوب من غيرها، فإذا نحن تقصينا أخبار هذا الصنف من الناس، أتبعناها أخبارا يقع في أسانيدها بعض من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان، كالصنف المقدم قبلهم، وسنزيد إن شاء الله تعالى شرحا وإيضاحا في مواضع من الكتاب عند ذكر الأخبار المعللة، إذا أتينا عليها في الأماكن التي يليق بها الشرح والإيضاح، إن شاء الله تعالى" انتهى بلفظه باختصار.

قال المحدث العلامة عبد الرحمن المعلمي في كتابه النافع الأنوار الكاشفة (ص: 29): "عادة مسلم أن يرتب روايات الحديث بحسب قوتها، يقدم الأصح فالأصح" .

وما أحسن ما يقوله شيخنا المحدث مقبل الوادعي في تحقيقه لكتاب الدارقطني الإلزامات والتتبع: "أخرجه مسلم ليبين علته" انظر مثلا: (ص: 147و351 و 366).

وطريقة الإمام مسلم في بيان العلة التي قد توجد في بعض الأحاديث التي يرويها في صحيحه تتلخص فيما يلي:

  1. تحديد مخرج الحديث، أي الراوي الذي يعتبر مدار الحديث وهو الذي تدور عليه الأسانيد.
  2. معرفة مراتب الرواة عن الراوي الذي هو مدار الحديث حتى يتم الترجيح فيما بينهم إذا اختلفوا، فكل راو له رواة وهم تلامذته، وهم متفاوتون في الحفظ والإتقان كما بين ذلك أهل الحديث، وبينوا من يُقدم منهم أو يؤخر عند اختلاف رواياتهم على الشيخ.
  3. جمع طرق الحديث حتى يُعرف الراجح من المرجوح، ويتبين الصواب من الخطأ.

وهذه أمثلة لبعض الأحاديث التي ذكرها الإمام مسلم في صحيحه ليبين علتها:

1- حديث رقم (450) قال مسلم رحمه الله: "حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى عن داود، عن عامر، قال: سألت علقمة هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال: فقال علقمة، أنا سألت ابن مسعود فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال: لا ولكنا كنا مع رسول الله ذات ليلة ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب. فقلنا: استطير أو اغتيل. قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء. قال: فقلنا: يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك فبتنا بشر ليلة بات بها قوم! فقال: «أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن» قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم وسألوه الزاد فقال: «لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة علف لدوابكم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم». وحدثنيه علي بن حجر السعدي، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن داود بهذا الإسناد إلى قوله: وآثار نيرانهم. قال الشعبي: وسألوه الزاد وكانوا من جن الجزيرة إلى آخر الحديث من قول الشعبي. مفصلا من حديث عبد الله. وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن داود، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى قوله: «وآثار نيرانهم» ولم يذكر ما بعده".

فبيَّن مسلم بإيجاز أن قول الشعبي ليس متصلا في الحديث.

2- قال مسلم في صحيحه رقم الحديث (2065): "حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن نافع، عن زيد بن عبد الله، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، عن أم سلمة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» وحدثناه قتيبة، ومحمد بن رمح، عن الليث بن سعد، ح وحدثنيه علي بن حجر السعدي، حدثنا إسماعيل يعني ابن علية، عن أيوب، ح وحدثنا ابن نمير، حدثنا محمد بن بشر، ح وحدثنا محمد بن المثنى، حدثنا يحيى بن سعيد، ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، والوليد بن شجاع، قالا: حدثنا علي بن مسهر، عن عبيد الله، ح وحدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا الفضيل بن سليمان، حدثنا موسى بن عقبة، ح وحدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا جرير يعني ابن حازم، عن عبد الرحمن السراج، كل هؤلاء عن نافع، بمثل حديث مالك بن أنس، بإسناده عن نافع، وزاد في حديث علي بن مسهر، عن عبيد الله، أن الذي يأكل أو يشرب في آنية الفضة والذهب، وليس في حديث أحد منهم ذِكْر الأكل والذهب إلا في حديث ابن مسهر".

فانظر كيف بين الإمام مسلم علة الحديث وأن مسهرا خالف غيره من الرواة حيث زاد الأكل وزاد الذهب، وأن الصواب في الحديث ذكر الشرب في آنية الفضة فقط بدون ذكر الأكل وبدون ذكر الذهب.

تنبيه: يذكر المحدثون في الإسناد هذا الحرف: ح ويريدون به تحويل السند، فيروي المحدث الإسناد من طريق ثم يذكر إسنادا آخر يلتقي بنفس الإسناد الأول في أحد الرواة فيقول: ح ومعناه تحويل السند.

3- قال مسلم في صحيحه رقم الحديث (330): "حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وإسحاق بن إبراهيم، وابن أبي عمر، كلهم عن ابن عيينة - قال إسحاق: أخبرنا سفيان - عن أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أم سلمة، قالت: قلت يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي فأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: «لا. إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين». وحدثنا عمرو الناقد، حدثنا يزيد بن هارون، ح، وحدثنا عبد بن حميد، أخبرنا عبد الرزاق، قالا: أخبرنا الثوري، عن أيوب بن موسى، في هذا الإسناد. وفي حديث عبد الرزاق فأنقضه للحيضة والجنابة، فقال: «لا» ثم ذكر بمعنى حديث ابن عيينة. وحدثنيه أحمد الدارمي، حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا يزيد يعني ابن زريع، عن روح بن القاسم، حدثنا أيوب بن موسى بهذا الإسناد. وقال: أفأحله فأغسله من الجنابة ولم يذكر الحيضة".

فانظر كيف بين الإمام مسلم أن عبد الرزاق الصنعاني شذ في ذكره لفظة (الحيضة)، وأن غيره من الرواة لم يذكروها، فمن ضعف رواية الحيضة فقد أصاب ولكن لا يقال: إنه انتقد ذلك على مسلم؛ لأن مسلما نفسه بين ضعفها.

4- وأختم بهذا المثال الذي ظهر لي من صنيع الإمام مسلم في صحيحه ولم أر من ذكره، وأقدم شرحه قبل ذكره، روى مسلم (2565) حديث: (تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين والخميس) ثم بين أن الصواب فيه: (تُعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس)، وقد شرح ذلك بما يفهمه المتأمل للأسانيد ممن يعرف طبقات الرواة، فإن اللفظ الأول رواه سُهيل بن أبي صالح عن أبيه، واللفظ الثاني رواه مسلم بن أبي مريم عن أبي صالح، فمخرج الحديث واحد وهو أبو صالح السمان، لكن اختلف تلميذاه في روايته عنه، فابنه سُهيل رواه باللفظ الأول، وابن أبي مريم رواه عنه باللفظ الثاني، ولا شك أن أبا صالح رواه بأحد اللفظين عن أبي هريرة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال أحد اللفظين: إما أنه قال: "تُفتح أبواب الجنة" أو قال: "تُعرض الأعمال"، واحتمال أنه قالهما معا بعيد، فأيهما نرجح رواية سهيل أو ابن أبي مريم؟!

معلوم عند المحدثين أن ابن أبي مريم أوثق من سُهيل، فسُهيل قال عنه يحيى بن معين وابن المديني: ليس بالقوي في الحديث، وقال عنه الذهبي: غيره أقوى منه، وذكروا أنه ممن تغير حفظه، ومسلم بن أبي مريم وثقه يحيى بن معين، وأبو داود، والنَّسائي، فبيَّن الإمام مسلم أن هذا الثقة ذكر الحديث باللفظ الثاني وهو المحفوظ، ويؤيده أن فتح أبواب الجنة يكون في رمضان لا يوم الاثنين والخميس!

فلنتأمل ما بينه مسلم رحمه الله في صحيحه عند روايته لهذا الحديث، قال الإمام مسلم: "حدثنا قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس، فيما قُرئ عليه، عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تُفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيُغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا، إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا). حدثنيه زهير بن حرب، حدثنا جرير، ح وحدثنا قتيبة بن سعيد، وأحمد بن عبدة الضبي، عن عبد العزيز الدراوردي، كلاهما عن سهيل، عن أبيه، بإسناد مالك، نحو حديثه، غير أن في حديث الدراوردي: (إلا المتهاجرين) من رواية ابن عبدة، وقال قتيبة: (إلا المهتجرين). حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن مسلم بن أبي مريم، عن أبي صالح، سمع أبا هريرة، رفعه مرة قال: (تعرض الأعمال في كل يوم خميس واثنين، فيغفر الله عز وجل في ذلك اليوم، لكل امرئ لا يشرك بالله شيئا، إلا امرأ كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: اركوا هذين حتى يصطلحا، اركوا هذين حتى يصطلحا). حدثنا أبو الطاهر، وعمرو بن سواد، قالا: أخبرنا ابن وهب، أخبرنا مالك بن أنس، عن مسلم بن أبي مريم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تُعرض أعمال الناس في كل جمعة مرتين، يوم الاثنين ويوم الخميس، فيُغفر لكل عبد مؤمن، إلا عبدا بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: اتركوا، أو اركوا، هذين حتى يفيئا).

هذا وصحيح الإمام مسلم مليء بالفوائد الدقيقة التي لا يجتنيها إلا من كان عارفا بالرواة ومراتبهم في الحفظ، وعرف مخارج الحديث وجمع طرقها، وأكثر شراح صحيح مسلم لم يعتنوا ببيانها، والمجال مفتوح للباحثين المتخصصين في الحديث العارفين بطبقات الرواة والله الموفق.

وأوصي في هذا الباب بالاستفادة من كتاب عبقرية الإمام مسلم في صحيحه للدكتور حمزة المليباري، وكتاب منهج الإمام مسلم في التعليل في الجامع الصحيح للدكتور حذيفة شريف الخطيب، وكتاب منهج الإمام مسلم بن الحجاج في ذكر الأخبار المعلّلة من خلال كتابه المسند الصحيح تأليف عاشور دهني.

هذا والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا.

وكتب/ محمد بن علي بن جميل المطري

8 جمادى الآخرة 1435 هـ

صنعاء- اليمن





الكتاب المرفق

تحميل الكتاب (PDF)