تعليل أحاديث الصحيحين بين المحدثين والمغرضين
بقلم/ د. محمد بن علي بن جميل المطري
المحدثون رحمهم الله انتقدوا بعض الألفاظ أو الروايات في أحاديث يسيرة جدًا في الصحيحين، وتكلمهم فيها يزيد المسلم يقينًا بصحة أحاديث الصحيحين؛ لأن المحدثين لا يجاملون البخاري ومسلمًا ولا غيرهما، واجتهد علماء الحديث في تتبع أحاديث الصحيحين كلها حديثًا حديثًا، وتكلموا عن أي علة خفية تظهر لهم في بعض طرق أحاديثهما أو في لفظة واحدة وإن كان الحديث صحيحًا محفوظًا من طريق آخر، وكتاب الإمام الدارقطني (الإلزامات والتتبع) خير شاهد على ذلك، فقد تتبع أحاديث الصحيحين وتكلم على أدنى علة تظهر له وإن كانت غير مؤثرة في صحة الحديث، وكذلك فعل غيره من أهل العلم كابن عمار الشهيد وأبي مسعود الدمشقي وأبي علي الغساني وغيرهم من الحفاظ، وأكثر ما يُعِلُّون الحديث بأنه روي من طريق آخر موقوفًا أو مرسلًا، ولا يلزم من هذا تضعيفه مرفوعًا أو متصلًا؛ لأن الراوي قد يروي الحديث مرفوعًا ويرويه أحيانًا موقوفًا على الصحابي ولا يرفعه، أو يرويه متصلًا ويرويه أحيانًا مرسلًا، فإن كان من رفعه أو وصله ثقة حافظ فلا جناح على البخاري أو مسلم في ذكر الرواية المرفوعة أو الموصولة، والعبرة عند المحدثين في ترجيح المرفوع أو الموقوف أو الموصول أو المرسل بالقرائن.
ولا يُقبَل من أحد أن يُشكِّك في ثبوت حديث في الصحيحين أو في غيرهما مما صح سنده إلا إذا أتى بحجة بينة بحسب القواعد التي وضعها أهل الحديث رحمهم الله، فإنهم يجمعون طرق الحديث فيتبين لهم الصواب من الخطأ، وبجمعهم للروايات يتبين لهم حال الرواة في الحفظ والإتقان، فمن وافق أصحابه الذين يشاركونه في الرواية عن شيخهم تبين لهم ضبطه وإتقانه، فإن خالفهم بالزيادة والنقصان والخطأ تبين لهم ضعف حفظه، فإن أضاف إلى ذلك تفرده بروايات عن شيخهم الواحد ولم يذكرها غيره من طلاب ذلك الشيخ تبين لأهل الحديث كذب ذلك الراوي أو اتهموه بالكذب بحسب إكثاره من التفرد وبحسب نكارة مروياته ومخالفته لأقرانه الذين يروون عن شيخ واحد.
ومن يتكلم في حديثٍ بعلم وإنصاف من العلماء المتخصصين بعد جمع طرق الحديث والنظر في اختلاف رواته والنظر في متنه بحسب قواعد المحدثين في البحث والتحقيق فلا عتب عليه، ويبقى قوله ورأيه ظنيًّا كما هو رأي من يخالفه؛ لأن تعليل الأحاديث مبني على غلبة الظن كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (1/ 585): "تعليل الأئمة للأحاديث مبني على غلبة الظن، فإذا قالوا: أخطأ فلان في كذا لم يتعين خطؤه في نفس الأمر، بل هو راجح الاحتمال".
والناظر في كتاب التتبع للدارقطني بتحقيق الشيخ مقبل الوادعي يجد أن أكثر ما انتقده الدارقطني على البخاري لا يؤثر في صحة الحديث؛ لأن انتقاده إنما هو في بعض الطرق مع كون البخاري رواه من طريق آخر سنده صحيح لا علة فيه، ولم يتم انتقاد الدارقطني للبخاري إلا في حديث واحد فقط مع كون صحته ليست بعيدة للمتأمل فيه، وهو حديث رقم (2855)، قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا علي بن عبد الله بن جعفر، حدثنا معن بن عيسى، حدثنا أُبي بن عباس بن سهل، عن أبيه، عن جده، قال: «كان للنبي صلى الله عليه وسلم في حائطنا فرس يقال له: اللُّحَيف».
قال الدارقطني في كتابه الإلزامات والتتبع (ص: 203): "أُبي بن عباس ضعيف".
وصدق الدارقطني في ذلك، ولكن ذكر الحافظ ابن حجر أن هذا الحديث رواه أيضًا عبد المهيمن بن عباس بن سهل وتابع أخاه أُبيًّا في روايته لهذا الحديث عن أبيه عن جده، وعبد المهيمن ضعيف مثل أخيه، لكن ليس واحد منهما متهمًا بالكذب، وروايتهما عن أبيهما عن جدهما لا تخفى عليهما؛ لأن هذا السند ليس مما يغلط فيه الراوي، ولا يُخشى من خطئهما في متنه لكون المتن قصيرًا، ولعل هذا هو الذي جعل البخاري يطمئن إلى صحة هذا الحديث، وهذا هو الحديث الوحيد الذي تم انتقاد الدارقطني للبخاري فيه بحسب قواعد المحدثين، ومع هذا فانتقاده محتمل، وقد يكون الصواب مع البخاري كما شرحته.
وأما مسلم فقد تم للدارقطني انتقاده في عدة أحاديث قليلة أخرجها مسلمٌ في صحيحه، لكن هناك حقيقة علمية لا يعلمها كثير من الناس، وهي أن مسلمًا قد يروي الحديث في صحيحه ويذكر روايةً من روايات الحديث ليبين علتها، ولا يريد مِن ذكرها أن يثبت صحتها، فطريقته في صحيحه أنه يروي الحديث من أصح الطرق ثم قد يذكر طريقًا لذلك الحديث فيها زيادة ضعيفة فيرويها ليبين علتها، وقد ذكر طريقته هذه في مقدمة صحيحه، ولم يتنبه لهذا بعض من ينتقده، حيث ينتقد ما ذكره مسلم ليبين علته!
قال الإمام مسلم رحمه الله في مقدمة صحيحه (1/ 4-7): "إنا إن شاء الله مبتدئون في تخريج ما سألت وتأليفه، على شريطة سوف أذكرها لك، وهو إنا نعمد إلى جملة ما أسند من الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنقسمها على ثلاثة أقسام، وثلاث طبقات من الناس على غير تكرار، إلا أن يأتي موضع لا يستغنى فيه عن ترداد حديث فيه زيادة معنى، أو إسناد يقع إلى جنب إسناد، لعلة تكون هناك، فأما القسم الأول، فإنا نتوخى أن نقدم الأخبار التي هي أسلم من العيوب من غيرها، فإذا نحن تقصينا أخبار هذا الصنف من الناس، أتبعناها أخبارًا يقع في أسانيدها بعض من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان، كالصنف المقدم قبلهم، وسنزيد، إن شاء الله تعالى شرحًا وإيضاحًا في مواضع من الكتاب عند ذكر الأخبار المعلَّلة، إذا أتينا عليها في الأماكن التي يليق بها الشرح والإيضاح، إن شاء الله تعالى" انتهى باختصار يسير.
قال المحدث العلامة عبد الرحمن المعلمي في كتابه النافع الأنوار الكاشفة (ص: 29): "عادة مسلم أن يرتب روايات الحديث بحسب قوتها، يقدم الأصح فالأصح" .
وما أحسن ما يقوله شيخنا المحدث مقبل الوادعي في تحقيقه لكتاب الدارقطني الإلزامات والتتبع: "أخرجه مسلم ليبين علته" يُنظر مثلًا: (ص: 147، 351 ، 366).
وأذكر ثلاثة أحاديث في صحيح مسلم ضعفها بعضهم مع أن الإمام مسلمًا رحمه الله ذكرها في صحيحه ليبين علة فيها مع كون أصلها أحاديث صحيحة:
الحديث الأول: قال مسلم في حديث رقم (2065): "حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن نافع، عن زيد بن عبد الله، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، عن أم سلمة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الذي يشرب في آنية الفضة إنما يُجرجر في بطنه نار جهنم» وحدثناه قتيبة، ومحمد بن رمح، عن الليث بن سعد، ح وحدثنيه علي بن حجر السعدي، حدثنا إسماعيل يعني ابن علية، عن أيوب، ح وحدثنا ابن نمير، حدثنا محمد بن بشر، ح وحدثنا محمد بن المثنى، حدثنا يحيى بن سعيد، ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، والوليد بن شجاع، قالا: حدثنا علي بن مسهر، عن عبيد الله، ح وحدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا الفضيل بن سليمان، حدثنا موسى بن عقبة، ح وحدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا جرير يعني ابن حازم، عن عبد الرحمن السراج، كل هؤلاء عن نافع، بمثل حديث مالك بن أنس، بإسناده عن نافع، وزاد في حديث علي بن مسهر، عن عبيد الله: (إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الفضة والذهب)، وليس في حديث أحد منهم ذِكر الأكل والذهب إلا في حديث ابن مُسهِر".
فانظر كيف بيَّن الإمام مسلم علة الحديث، ونص على أن علي بن مُسهِر زاد الأكل وزاد الذهب، وأن الصواب في الحديث ذكر الشرب فقط في آنية الفضة بدون ذكر الأكل وبدون ذكر الذهب، وإن كان الحكم واحدًا في تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة، لكن المحدثين يبينون أي كلمة أو جملة زادها بعض الرواة وأخطأ فيها وإن كان من الثقات.
الحديث الثاني: قال مسلم (279): حدثني علي بن حجر السعدي، حدثنا علي بن مسهر، أخبرنا الأعمش، عن أبي رَزِين وأبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليُرقه ثم ليغسله سبع مرار». وحدثني محمد بن الصباح، حدثنا إسماعيل بن زكريا، عن الأعمش، بهذا الإسناد مثله. ولم يقل: (فليرقه). حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا شرب الكلب في إناء أحدكم، فليغسله سبع مرات»، وحدثنا زهير بن حرب، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب». حدثنا محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم - فذكر أحاديث منها - وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبع مرات».
فانظر كيف بيَّن الإمام مسلم أن علي بن مسهر شذ في ذكر كلمة: (فليرقه)، وأن غيره من الرواة لم يذكروها، ويتبين مما ساقه مسلم من طرق هذا الحديث أنه رواه عن أبي هريرة خمسة، وهم: أبو رَزين وأبو صالح السمان وعبد الرحمن الأعرج ومحمد بن سيرين وهمَّام، وكلهم لم يذكر كلمة: (فليرقه)، وإنما جاء ذكرها في رواية علي بن مسهر عن الأعمش، وخالفه إسماعيل بن زكريا عن الأعمش فلم يذكرها، فمن ضعَّف هذه الزيادة: (فليرقه) فقد أصاب، ولكن لا يقال: إنه انتقد ذلك على مسلم لأن مسلمًا نفسه بيَّن ضعفها في صحيحه، وقد روى النسائي هذا الحديث بنفس إسناد مسلم الأول، وبيَّن ضعف هذه الزيادة، قال النسائي في سننه (66): "أخبرنا علي بن حجر قال: أنبأنا علي بن مسهر، عن الأعمش، عن أبي رزين وأبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، فليرقه، ثم ليغسله سبع مرات» قال أبو عبد الرحمن: لا أعلم أحدًا تابع علي بن مسهر على قوله: (فليرقه)"، فرحم الله علماء الحديث الجهابذة ما أشد تحريهم وأدق نظرهم! لم يسكتوا عن كلمة واحدة لا تؤثر في صحة الحديث ومعناه، فبينوا عدم ثبوتها، وأنه تفرد بها راو واحد دون غيره، قال السيوطي في حاشيته على سنن النسائي (1/ 53): "قال حمزة الكِناني: إنها غير محفوظة، وقال ابن عبد البر: لم يذكرها الحفاظ من أصحاب الأعمش كأبي معاوية وشعبة، وقال ابن مَنده: لا تُعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم بوجه من الوجوه إلا عن علي بن مسهِر بهذا الإسناد".
الحديث الثالث: قال مسلم (330): "حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وإسحاق بن إبراهيم، وابن أبي عمر، كلهم عن ابن عيينة - قال إسحاق: أخبرنا سفيان - عن أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أم سلمة، قالت: قلت يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي فأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: «لا. إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين». وحدثنا عمرو الناقد، حدثنا يزيد بن هارون، ح، وحدثنا عبد بن حميد، أخبرنا عبد الرزاق، قالا: أخبرنا الثوري، عن أيوب بن موسى، في هذا الإسناد. وفي حديث عبد الرزاق: (فأنقضه للحيضة والجنابة؟)، فقال: «لا» ثم ذكر بمعنى حديث ابن عيينة. وحدثنيه أحمد الدارمي، حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا يزيد يعني ابن زريع، عن روح بن القاسم، حدثنا أيوب بن موسى بهذا الإسناد. وقال: (أفأحله فأغسله من الجنابة؟)، ولم يذكر الحيضة".
فانظر كيف بيَّن الإمام مسلم أن عبد الرزاق الصنعاني شذ في ذكره كلمة الحيضة، وأن غيره من الرواة لم يذكروها، فمن ضعَّف رواية الحيضة فقد أصاب ولكن لا يقال: إنه انتقد ذلك على مسلم؛ لأن مسلمًا نفسه بيَّن ضعفها في صحيحه.
وأختم مقالي هذا بما قاله ابن الصلاح في كتابه علوم الحديث (ص: 29): "ما انفرد به البخاري أو مسلم مندرج في قبيل ما يُقطَع بصحته لتلقي الأمة كل واحد من كتابيهما بالقبول على الوجه الذي فصلناه من حالهما فيما سبق، سوى أحرف يسيرة تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ، كالدارقطني وغيره، وهي معروفة عند أهل هذا الشأن، والله أعلم"، وقال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (1/ 257): "جمهور متون الصحيحين متفق عليها بين أئمة الحديث، تلقوها بالقبول، وأجمعوا عليها، وهم يعلمون علمًا قطعيًّا أن النبي صلى الله عليه وسلم قالها".
ولزيادة الفائدة والإيضاح أنصح بالاطلاع على هذه الرسائل الثلاث المختصرة التي كتبتها لعامة المسلمين، لا سيما من كان بعيدًا عن علوم الحديث وأصول الفقه، وفيها نقول عزيزة، وفوائد نفيسة، وكلها منشورة في موقعي الرسمي، وفي شبكة الألوكة:
- فصول مهمة في السنة النبوية
- لماذا دوَّن العلماء السابقون الأحاديث والآثار الضعيفة؟
- الاكتفاء بغلبة الظن في أمور الدنيا والدين عند تعذر اليقين