🔵 ما هو تفسير قوله تعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} [الملك: 16]؟
الجواب: أي: أأمنتم - أيها المشركون - الله الذي فوق السماء أن يخسف بكم الأرض عقوبة لكم على كفركم بالله؟ فإذا الأرض حين يخسف الله بكم تضطرب ذهابا وإيابا حتى تهلككم.
يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (4/ 391)، ((تفسير ابن جرير)) (23/ 129)، ((تفسير ابن أبي زمنين)) (5/ 14)، ((الهداية)) لمكي بن أبي طالب (12/ 7600)، ((الأسماء والصفات)) للبيهقي (2/ 236)، ((تفسير الألوسي)) (15/ 17، 18)، ((تفسير القنوجي)) (14/ 240)، ((تفسير السعدي)) (ص: 877).
■ وهذه بعض الآيات الدالة على علو الله على خلقه:
(1) {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54].
(2) {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 50].
(3) {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5].
(4) {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10].
(5) {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: 1].
■ وهذه بعض الأحاديث والآثار الدالة على علو الله على خلقه:
(1) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟!)). رواه البخاري (4351) ومسلم (1064).
(2) عن معاوية بن الحكم السُّلمي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل جاريته التي لطمها: ((أين الله؟)) قالت: في السماء، قال: ((من أنا؟)) قالت: أنت رسول الله، قال: ((أعتقها، فإنها مؤمنة)). رواه مسلم (537).
(3) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)). رواه أبو داود (4941) والترمذي (1924) وصححه.
(4) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (ما بين كل سماء إلى أخرى مسيرة خمسمائة عام، وما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام، وما بين السماء السابعة إلى الكرسي مسيرة خمسمائة عام، وما بين الكرسي إلى الماء مسيرة خمسمائة عام، والعرش على الماء، والله على العرش، ويعلم أعمالكم). رواه ابن خزيمة في ((التوحيد)) (1/ 242)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (8987)، وأبو الشيخ الأصبهاني في ((العظمة)) (2/ 565)، والبيهقي في ((الأسماء والصفات)) (851)، وغيرهم، بإسناد حسن.
■ وهذه بعض أقوال العلماء في إثبات علو الله:
(1) قال أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان رحمهما الله: أدركنا العلماء في جميع الأمصار، حجازا وعراقا، وشاما ويمنا، فكان من مذهبهم: أن الله عز وجل على عرشه بائن من خلقه كما وصف نفسه في كتابه, وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بلا كيف، أحاط بكل شيء علما, { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}) ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)) للالكائي (1/ 198).
(2) قال أبو الحسن الأشعري: أجمعوا على أنه عز وجل فوق سماواته على عرشه دون أرضه، وقد دل على ذلك بقوله: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} [الملك: 16]. ((رسالة إلى أهل الثغر بباب الأبواب)) (ص: 131).
(3) نقل النووي عن الأرموي رحمهما الله كلاما طويلا في العقيدة مقرا له، وفيه: نؤمن بأن الله على عرشه كما أخبر في كتابه العزيز، ولا نقول: هو في كل مكان، بل هو في السماء، وعلمه في كل مكان، لايخلو منه مكان، كما قال: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك:16] وكما جاء في حديث الإسراء، ثم قال النووي: هذا آخر ما أردنا ذكره من هذا المختصر من معتقد مصنفه، مما ذكره في كتابه غاية المرام في مسألة الكلام للشيخ أبي العباس أحمد بن الحسن الأرموي الشافعي، وهو الذي عليه الجمهور من السلف والخلف. ((جزء فيه ذكر اعتقاد السلف في الحروف والأصوات)) للنووي (ص: 68، 69).
(4) قال ابن تيمية رحمه الله: كتاب الله من أوله إلى آخره، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من أولها إلى آخرها، ثم عامة كلام الصحابة والتابعين، ثم كلام سائر الأئمة مملوء بما هو إما نص وإما ظاهر في أن الله سبحانه فوق كل شيء، وعليٌّ على كل شيء، وأنه فوق العرش، وأنه فوق السماء. ((الفتوى الحموية)) (ص: 201).
(5) قال الذهبي رحمه الله: روى يحيى بن يحيى التميمي وجعفر بن عبد الله وطائفة قالوا: جاء رجل إلى مالك فقال: يا أبا عبد الله {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] كيف استوى؟ قال: فما رأيت مالكا وجد من شيء كموجدته من مقالته، وعلاه الرُّحَضاء يعني: العَرَق، وأطرق القوم، فسُرِّي عن مالك وقال: الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وإني أخاف أن تكون ضالا. وأُمِر به فأُخرج. هذا ثابت عن مالك، وتقدم نحوه عن ربيعة شيخ مالك، وهو قول أهل السنة قاطبة، أن كيفية الاستواء لا نعقلها، بل نجهلها، وأن استواءه معلوم كما أخبر في كتابه، وأنه كما يليق به، لا نعمق، ولا نتحذلق، ولا نخوض في لوازم ذلك نفيا ولا إثباتا، بل نسكت، ونقف كما وقف السلف، ونعلم أنه لو كان له تأويل لبادر إلى بيانه الصحابة والتابعون، ولما وسعهم إقراره وإمراره والسكوت عنه، ونعلم يقينا مع ذلك أن الله جل جلاله لا مِثْل له في صفاته، ولا في استوائه. ((العلو للعلي الغفار)) (ص: 139).
(6) قال علامة اليمن السيد محمد بن إبراهيم الوزير رحمه الله: قوله تعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} (في) هنا بمعنى فوق، كقوله: {لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: 71]. ولا يحيط بالله شيء بالإجماع، وهي في الفوقية حقيقة لا مجاز، وآيات الاستواء توضح ذلك. ((العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم)) (5/ 92).
(7) قال قاضي قضاة اليمن محمد بن علي الشوكاني رحمه الله: الحق الذي لا شك فيه ولا شبهة هو ما كان عليه خير القرون ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، وقد كانوا رحمهم الله وأرشدنا إلى الاقتداء بهم والاهتداء بهديهم يمرون أدلة الصفات على ظاهرها، ولا يتكلفون علم ما لا يعلمون، ولا يتأولون، وهذا المعلوم من أقوالهم وأفعالهم، والمتقرر من مذاهبهم، لا يشك فيه شاك، ولا ينكره منكر، ولا يجادل فيه مجادل. ((التحف في مذاهب السلف)) (ص: 17).
■ وقد نقل العلماء إجماع الصحابة والتابعين على أن الله في السماء مستو على عرشه كما يليق بجلاله:
قال ابن قدامة المقدسي رحمه الله المتوفى سنة 620 هجرية: (الله تعالى وصف نفسه بالعلو في السماء، ووصفه بذلك محمد خاتم الأنبياء، وأجمع على ذلك جميع العلماء من الصحابة الأتقياء، والأئمة من الفقهاء، وتواترت الأخبار بذلك على وجه حصل به اليقين، وجمع الله تعالى عليه قلوب المسلمين، وجعله مغروزا في طباع الخلق أجمعين) ((إثبات صفة العلو)) (ص: 63). ويُنظر: ((الرد على الجهمية)) لأحمد بن حنبل (ص: 146)، ((التوحيد)) لابن خزيمة (1/ 254 - 289)، ((الإبانة)) لأبي الحسن الأشعري (ص: 105، 106)، ((رسالة إلى أهل الثغر)) لأبي الحسن الأشعري (ص: 130، 131)، ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)) لللالكائي (3/ 429)، ((رسالة في إثبات الاستواء)) للجويني (ص: 33)، ((التمهيد)) لابن عبد البر (7/ 129)، ((شرح السنة)) للبغوي (1/ 168 - 171)، ((الانتصار في الرد على المعتزلة)) لابن أبي الخير العِمراني (2/ 607 - 625)، ((جزء فيه ذكر اعتقاد السلف)) للنووي (ص: 68)، ((الحموية)) لابن تيمية (ص: 201)، ((العلو)) للذهبي (ص: 596)، ((اجتماع الجيوش الإسلامية)) لابن القيم (2/ 95 - 331)، ((شرح الطحاوية)) لابن أبي العز الحنفي (2/ 375 - 394)، ((العواصم والقواصم)) لابن الوزير (4/ 148) و (5/ 92).
¤ واعلم أن علماء أهل السنة والجماعة لا يقولون: إن الله داخل السماء، ولا أنه في مكان محصور فيها، بل يقولون: الله فوق السماء، مستو على عرشه، كما أخبر في كتابه، قال ابن تيمية: (من توهم أن مقتضى هذه الآية أن يكون الله في داخل السموات، فهو جاهل ضال بالاتفاق) ((التدمرية)) (ص: 85). ويُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/ 426، 427)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/ 18 - 32).
قال ابن عبد البر: (أهل السنة مجموعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يُكيِّفون شيئا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة) ((التمهيد)) (7/ 145). وينظر: ((سنن الترمذي)) (3/ 41)، ((التبصير في معالم الدين)) للطبري (ص: 132 - 147)، ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)) للالكائي (3/ 457)، ((ذم التأويل)) للمقدسي (ص: 11، 39، 40)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (13/ 294، 295)، ((الصواعق المرسلة)) لابن القيم (1/ 212 - 214)، ((منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات)) للشنقيطي (ص: 38)، ((القواعد المثلى)) لابن عثيمين (ص: 34).
وكتب/ محمد بن علي بن جميل المطري