مقالات

ضرورة معرفة طلاب العلم بأنواع الخلاف وأدب الخلاف

مشاركة المنشور:
ضرورة معرفة طلاب العلم بأنواع الخلاف وأدب الخلاف

ضرورة معرفة طلاب العلم بأنواع الخلاف وأدب الخلاف


● الخلاف ثلاثة أنواع:

١- خلاف تضاد محرم.

٢- خلاف أفهام جائز.

٣- خلاف تنوع مشروع.

والنوع الأول مذموم، وهو خلاف شر، وليس رحمة، مثل الخلاف الواقع بين المسلمين والكفار، وبين أهل السنة وأهل البدع.

والنوع الثاني والثالث غير مذمومين، وهما غالب الخلاف الواقع بين فقهاء الشريعة، وهما خلاف رحمة، وقد وقع خلاف الأفهام بين النبي داود والنبي سليمان عليهما الصلاة والسلام كما في القصة التي ذكرها الله في سورة الأنبياء حين حكما في الحرث الذي نفشت فيه غنم القوم، ففهم الله الحكم سليمان، ومدحهما جميعا بالعلم، ووقع خلاف الأفهام بين الصحابة رضي الله عنهم كما في قصة بني قريظة حين صلى بعضهم العصر في الطريق امتثالا لظاهر قول النبي عليه الصلاة والسلام: ((لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة))، ولم يصلها بعضهم حتى وصل بني قريظة بعد غروب الشمس عملا بمقصد النبي الذي أراد بقوله ذلك حثهم على الاستعجال، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على أحد الفريقين.

● خلاف التنوع في الشريعة واسع جدا، وقل باب من أبواب الفقه إلا وفيه خلاف تنوع، وهو من التيسير الذي اختص به الإسلام، ومن ذلك:

الخلاف في القراءات العشر، والتخيير في كفارة اليمين، وخلاف التنوع في أدعية الاستفتاح، وأذكار الركوع والسجود، وصلاة الوتر ثلاث ركعات متصلة أو ركعتان ثم ركعة، والقنوت في الوتر وتركه، والقنوت قبل الركوع أو بعده، وإفراد الإقامة أو تثنيتها.

وبعض العلماء جعل من خلاف التنوع: الجهر بالبسملة والإسرار بها، والقنوت في الفجر وتركه، والتورك في الصلاة أو الافتراش، وسجود السهو قبل السلام أو بعده.

● نص العلماء رحمهم الله تعالى على أن من أقدم على أمر مفسق متأولا لشبهة عنده أنه لا يأثم، وأنه عدل لا تجرح عدالته بوقوعه في ذلك الفسق ما دام تأويله سائغا.

قال العطار رحمه الله في حاشيته على شرح جمع الجوامع (2/178): " الإقدام على المفسق مع الجهل يمنع كونه مفسقا".

وقال ابن تيمية رحمه الله في كتابه منهاج السنة (5/239): "إن المتأول الذي قصد متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم لا يُكفَّر ولا يُفسَّق إذا اجتهد فأخطأ، وهذا مشهور عند الناس في المسائل العملية، وأما مسائل العقائد فكثير من الناس كفّر المخطئين فيها، وهذا القول لا يُعرف عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا عن أحد من أئمة المسلمين، وإنما هو في الأصل من أقوال أهل البدع الذين يبتدعون بدعة ويُكفِّرون من خالفهم".

وقال العز بن عبد السلام رحمه الله في كتابه قواعد الأحكام في مصالح الأنام (1/ 27): "من فعل فعلا يظنه قربة أو مباحا وهو من المفاسد المحرمة في نفس الأمر؛ كالحاكم إذا حكم بما يظنه حقا بناء على الحجج الشرعية، وكالمصلي صلى على ظن أنه متطهر، أو كمن يصلي على مرتد يعتقده مسلما، وكالشاهد يشهد بحق عرفه بناء على استصحاب بقائه فظهر كذب الظن في ذلك كله؛ فهذا خطأ معفو عنه ويثاب فاعله على قصده دون فعله".

وقال الجيزاني في كتابه معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة (ص: 489): "مذهب السلف من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين لهم بإحسان أنهم لا يكفِّرون ولا يفسِّقون ولا يؤثِّمون أحدا من المجتهدين المخطئين، لا في مسألة علمية ولا عملية، ولا في الأصول ولا في الفروع، ولا في القطعيات ولا في الظنيات".

● المسائل الاجتهادية هي التي ليس فيها نص من كتاب ولا سنة ولا إجماع، أو فيها نصوص متعارضة في الظاهر، أو سنة مختلف في ثبوتها، فيختلف أهل العلم في المسائل الاجتهادية لاختلاف أفهامهم، فمنهم من يصيب فله أجران، ومنهم من يخطئ فله أجر واحد، وخطؤه مغفور له؛ لأن إدراك الصواب في جميع المسائل الاجتهادية إما متعذر أو متعسر، وقد قال الله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]، وقال {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، وفي صحيح البخاري عن عمرو بن العاص وأبي هريرة رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد وأخطأ فله أجر))، وهذا من رحمة الله بهذه الأمة، قال الله سبحانه: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب: ٥].

● ينبغي أن يُعلم أن أكثر المسائل الاجتهادية لا يقطع المجتهد بالصواب فيها، بل يرجح قولاً على قول بحسب ما يغلب على ظنه أنه الصواب، فإنه إذا تعذر الوصول إلى اليقين يكفي غلبة الظن، وهذا من يسر الشريعة وسماحتها.

● لا يجوز التشنيع على العالم إذا أخطأ في مسألة اجتهادية لم يوفّق للصواب في اجتهاده فيها، ولا يلزم من خطئه فيها أن يكون آثماً، بل له أجر على اجتهاده كما سبق بيانه، وكذلك لا يشنع على من أخذ بقوله من العامة، فإن الواجب عليهم سؤال أهل العلم كما قال الله: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، فإن سأل العامي من يثق بعلمه فقد قام بما أوجب الله عليه، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وعلى المقلد أن يتحرى الصواب عند خلاف العلماء، فإن لم يظهر له مرجح فله أن يعمل بأي القولين شاء كما قال العلماء. ينظر: حاشية قليوبي على شرح المحلي (1/ 13).

● ذكر الفقهاء أن العالم يفتي بما يعتقد أنه الراجح، وله أن يبين خطأ القول المرجوح عنده، ولكن ليس له أن يلزم الناس بقوله في المسائل الاجتهادية، ومن باب أولى لا يصح للمقلد أن ينكر على غيره من المقلدين فضلا عن أن ينكر على العلماء الذين خالف قولهم في مسألة اجتهادية.

● قال الفقهاء: إذا اختلف اثنان في جهة القبلة صلى كل واحد منهما إلى الجهة التي يغلب على ظنه أنها جهة القبلة، ولا يجوز ﻷحدهما أن ينكر على اﻵخر؛ لأن صلاة كل واحد منهما صحيحة، الذي أصاب، والذي أخطأ.

● لو أكل قوم لحم إبل، ثم قاموا إلى الصلاة، وكان الإمام يرى عدم نقض الوضوء من أكل لحم الإبل، ومن خلفه يرون ذلك، فيجب عليهم أن يتوضأوا، وعليهم أن يصلوا خلف ذلك الإمام، ولا ينكرون عليه، وصلاتهم جميعا صحيحة.

● لو كان الإمام يرى مشروعية المسح على الجوربين الخفيفين المصنوعين من القماش (الشراب)، ومن خلفه لا يرون جواز ذلك كما هو قول جمهور الفقهاء، فعليهم أن يصلوا خلف ذلك الإمام الذي مسح عليهما، وصلاتهم جميعا صحيحة.

● كان الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله لا يرى مشروعية القنوت في صلاة الفجر، وكان إذا صلى خلف إمام يقنت قنت، ولم ينكر عليه.

● لو أفتى المفتي أو حكم القاضي بعدم وقوع الطلاق حال الحيض، فلا يجوز لمن خالف في هذه المسألة أن يفتي الزوجين بأن يتفرقا؛ لكون الراجح عنده أن طلاق الحائض يقع كما هو قول جمهور الفقهاء، فمن أخذ بالقول الآخر فلا ينكر عليه من يرى أنه خطأ، وله أن يبين له الصواب الذي يراه.

● لا حرج على من أخرج زكاة الفطر طعاما أو نقودا آخذ بأحد القولين مجتهدا أو مقلدا،

ولا شك أن الأفضل والأحوط إخراج زكاة الفطر طعاما، لكن من أخذ بفتوى من يجيز إخراجها نقدا فلا يجوز أن ننكر عليه، فهو خلاف معتبر، وقد كان ابن عثيمين رحمه الله يرى وجوب إخراج صدقة الفطر طعاما، ويرى عدم جواز إخراجها نقدا، ولما سئل عن شخص أخرج صدقة الفطر نقدا اتباعا لفتوى بعض العلماء أجاب أنها تجزئه، ولا يلزمه إعادتها، وقال: "كل من فعل شيئاً بفتوى عالم أو باتباع علماء بلده فلا شيء عليه، مثال ذلك: لو أن امرأة لا تؤدي زكاة الحلي فبقيت سنوات لا تدري أن الحلي يجب فيه الزكاة، أو بناءً على أن علماءها يفتونها بأنه لا زكاة فيه، ثم تبين لها، فإنها تؤدي الزكاة بعد أن تبين لها، وقبل ذلك لا يلزمها". ينظر: كتاب لقاء الباب المفتوح (ص: 191).

● لا بأس ببيان ضعف القول المرجوح، وتأليف الكتب في رده، ففي المسائل الاجتهادية ينكر القول، ولا ينكر على القائل بذلك القول اجتهادا أو تقليدا، أما في خلاف التضاد المخالف للدليل الصحيح الصريح أو المخالف لإجماع الأمة ينكر القول وينكر على القائل أيضا، ولا يجوز اتباع زلات العلماء التي قد تقع من بعضهم فلتة من غير قصد مخالفة الشريعة، ولا اتباعا لغير سبيل المؤمنين.

● من أسباب اختلاف الفقهاء:

1 - الاختلاف في فهم الآية أو الحديث.

2 - الاختلاف في ثبوت الحديث وعدم ثبوته.

3 - الاختلاف في نسخ الآية أو الحديث.

4 - الاختلاف في طرق الجمع والترجيح بين النصوص المتعارضة في ظاهرها.

5 - عدم الاطلاع على دليل المسألة سواء كان الدليل نصا أو ظاهرا أو استنباطا.

6- الاختلاف في بعض مصادر الاستنباط، كالاختلاف في حجية قول الصحابي، وشرع من قبلنا، وحجية القراءة الشاذة، والقياس، والاستصحاب، والمصالح المرسلة، والعرف، وسد الذرائع، وكالاختلاف في إجماع أهل المدينة، وكالاختلاف في حجية الحديث المرسل، وكالاختلاف في العمل بالحديث الضعيف إذا لم يوجد في الباب غيره.

7- الاختلاف في بعض القواعد الأصولية كالاختلاف في العام المخصوص هل هو حجة أو ليس بحجة، وهل المطلق يحمل على المقيد أو لا؟ وهل المفهوم حجة أو ليس بحجة؟ وهل الزيادة على النص القرآني نسخ أو لا؟ وهل الأمر يدل على الوجوب والفورية أو لا؟ وهل النهي يدل على التحريم أو الكراهة؟ وهل النهي يقتضي الفساد أو لا؟

● من التواصي بالحق أن نتواصى بالتمسك بالسنة النبوية، فخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، ومن رغب عن السنة النبوية لا يتعلمها ولا يعمل بها فهو على خطر عظيم، ففي الحديث: ((من رغب عن سنتي فليس مني))، وقال عليه الصلاة والسلام مرغبا في التمسك بسنته: ((عضوا عليها بالنواجذ)).

ومن التمسك بالسنة التيسير على النفس وعلى الناس، وترك التعسير والتشديد، فيجوز ترك بعض السنن المستحبة أحيانا لمصلحة التعليم بأنها غير واجبة أو لمصلحة تأليف القلوب، كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم إعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وكما كان الخليفتان الراشدان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما يتركان أحيانا ذبح الأضحية ليعلم الناس أنها ليست واجبة، وكما صلى جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما في ثوب واحد ليعلم الناس جواز ذلك، وفي صحيح البخاري أن بعض الصحابة قال ردا على من أنكر عليه تسهيله: صحبنا رسول الله عليه الصلاة والسلام فرأينا تيسيره.

● كثير مما ينقل عن بعض علماء الصحابة والتابعين من ترك بعض السنن المستحبة الثابتة هو من باب التيسير أو من باب التعليم أو لكون الأمر من خلاف التنوع المشروع أو لنظرهم في المراد من الحديث ومقصده، وهم أفقه منا بمقاصد الشريعة وتيسيرها، ولا يجوز أن نجعل المسائل الاجتهادية سببا للفرقة بين المسلمين، قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (22/405 - 408): "مسألة البسملة الخطب فيها يسير، وأما التعصب لهذه المسائل ونحوها فمن شعائر الفرقة والاختلاف الذي نهينا عنها، ... فهذه المسائل من أخف مسائل الخلاف جداً، لولا ما يدعو إليه الشيطان من إظهار شعار الفرقة ... ويستحب للرجل أن يقصد إلى تأليف القلوب بترك هذه المستحبات؛ لأن مصلحة التأليف في الدين أعظم من مصلحة فعل مثل هذا، كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم تغيير بناء البيت لما في إبقائه من تأليف القلوب، وكما أنكر ابن مسعود على عثمان إتمام الصلاة في السفر ثم صلى خلفه متماً، وقال: الخلاف شر".

☆ اللهم ألف بين قلوب المسلمين، وأصلح أحوالنا، ونسأل الله أن يوفقنا لاتباع القرآن والسنة بلا إفراط ولا تفريط، وأن يفقهنا في دينه، ويعرفنا مقاصد شريعته السمحة بلا تشديد ولا تهوين، وأن يخرجنا من الظلمات إلى النور.