مقالات

التحذير من الغلو في العقل، ومخالفة القرآن والسنة بدعوى اتباع المعقول

مشاركة المنشور:
التحذير من الغلو في العقل، ومخالفة القرآن والسنة بدعوى اتباع المعقول

التحذير من الغلو في العقل، ومخالفة القرآن والسنة بدعوى اتباع المعقول

بقلم/ محمد بن علي بن جميل المطري

الوحي هو الذي يهدي الأنبياء، ويهدي أتباعهم، فلا هداية إلا لمن اتبع الوحي ومن لم يتبعه فقد ضل ضلالًا مبينًا.

ويجب التسليم للنقل الصحيح أخبارًا وأحكامًا سواء عرفنا العلة أو لم نعرفها، فبعض القضايا العقلية الثابتة بالأدلة القطعية لا تدركها بعض العقول لعدم فهمها لها، فكيف بالقضايا التي لا تحيط بها العقول وهي كثيرة جدًا مما نراه ونشاهده ومن أقربها سبب تثاؤب بعض الناس عند تثاؤب شخص آخر في المكان الذي هو فيه، فلا تعرف العقول سبب ذلك، ومن تكلم في سبب ذلك بالظن لا يمكنه أن يطلب من جميع الناس أن يسلموا بتفسيره، ومثل ذلك الروح لا تحيط العقول بحقيقتها قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:85].

وقد ضل من يقول: لا أؤمن إلا بما أدركه العقل من حكم الله، وما لا يدركه لا أؤمن به، فإن هذا قدَّم العقل القاصر الناقص الذي يجهل أكثر مما يعلم على النقل الصحيح الكامل الشافي الشامل.

فالمؤمن العاقل يقدم النقل الصحيح على كل عقل، فما لا يدركه العقل لا يعني عدم وجوده، ولكنه هو غير مدرك له، فللعقل حد ينتهي إليه، كما أن للبصر حدا ينتهي إليه لا ينتهي الكون والوجود بنهايته، وللسمع حد لا تنتهي الأصوات بنهايته؛ فللنملة صوت لا يسمع، وفي الكون فضاء وكواكب ونجوم لا ترى.

ومعلوم أن النصوص الشرعية منها ما يفهمه غالب الناس، ومنها مما لا يفهمه إلا العلماء، ومنها ما لا يفهمه ويعرف دلالته إلا الراسخون من أهل العلم، فيكون موقفنا هو العمل بالمحكم والوقوف عند المتشابه. والمتشابه: هو ما لا يعلمه إلا الراسخون من أهل العلم، وأما جعل هذا المتشابه أصلًا، أو التشكيك في المحكمات بضربها بالمتشابهات فهذا سبيل أهل الغي.

والعقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح بحال، ومتى توهم متوهم أن نصًا من النصوص الشرعية الثابتة خالف للعقل فليتهم عقله هو، والشريعة الإسلامية - بحمد الله- تأتي بما تحار فيه العقول ولا تأتي أبدًا بما تُحيله العقول كما قرر ذلك المحققون من العلماء، بمعنى أن الشريعة لا تأتي بما تعده العقول السليمة أمرًا مستحيلًا، فيجب على المسلم أن يقدم قول الله ورسوله على كل قول وعلى كل قياس وعلى كل ذوق وعلى كل استحسان، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: 1].

قال المفسرون: أي: يا أيها الذين آمنوا لا تعجلوا بقضاء أمر في دينكم أو شئونكم العامة قبل أن يأذن الله لكم فيه ورسوله فتخالفوا كتاب الله وسنة رسوله باعتقاد أو فعل أو قول.

قال أبو المظفر السمعاني في آخر كتابه الانتصار لأصحاب الحديث (ص: 81 - 83): "اعلم أن فصل ما بيننا وبين المبتدعة هو مسألة العقل؛ فإنهم أسسوا دينهم على المعقول، وجعلوا الاتباع والمأثور تبعًا للمعقول، وأما أهل السنة قالوا: الأصل الاتباع، والعقول تبع، ولو كان أساس الدين على المعقول لاستغنى الخلق عن الوحي وعن الأنبياء صلوات الله عليهم، ولبطل معنى الأمر والنهي، ولقال من شاء ما شاء، ولو كان الدين بني على المعقول وجب ألا يجوز للمؤمنين أن يقبلوا شيئًا حتى يعقلوا، ونحن إذا تدبرنا عامة ما جاء في أمر الدين من ذكر صفات الله عز وجل، وما تعبد الناس به من اعتقاده، وكذلك ما ظهر بين المسلمين وتداولوه بينهم ونقلوه عن سلفهم إلى أن أسندوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذكر عذاب القبر، وسؤال الملكين، والحوض، والميزان، والصراط، وصفات الجنة، وصفات النار، وتخليد الفريقين فيهما؛ أمور لا ندرك حقائقها بعقولنا، وإنما ورد الأمر بقبولها، والإيمان بها، فإذا سمعنا شيئًا من أمور الدين وعقلناه وفهمناه فلله الحمد في ذلك والشكر، ومنه التوفيق، وما لم يمكنا إدراكه وفهمه، ولم تبلغه عقولنا؛ آمنا به، وصدقنا، واعتقدنا أن هذا من قبل ربوبيته وقدرته، واكتفينا في ذلك بعلمه ومشيئته، وقال تعالى في مثل هذا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85]، وقال الله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: 255] ... وإنما علينا أن نقبل ما عقلناه إيمانًا وتصديقًا، وما لم نعقله قبلناه تسليمًا واستسلامًا".

وقال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (17/ 444): "العقل الصريح دائمًا موافق للرسول صلى الله عليه وسلم لا يخالفه قط، لكن قد تقصر عقول الناس عن معرفة تفصيل ما جاء به، فيأتيهم الرسول بما عجزوا عن معرفته وحاروا فيه، لا بما يعلمون بعقولهم بطلانه، فالرسل صلوات الله وسلامه عليهم تُخبِر بمحارات العقول، لا تُخبِر بمحالات العقول، فهذا سبيل الهدى والسنة والعلم".

واعلم أيها المسلم أن عقلك له حدود كما أن بصرك وسمعك له حدود، فلا تُكابر الشرع فإنك لم تؤت من العلم إلا قليلًا، واعلم أن العقل لا يعارضه الشرع أبدًا، وأن المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح قط، فعلينا أن نتبع لا أن نبتدع، فالدين بالاتباع لا بالابتداع، ونحن مأمورون في كل ركعة في صلاتنا أن نقول: {اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين}.