الخلاصة في بيان أسباب النصر والتمكين من القرآن الكريم
بقلم/ محمد بن علي بن جميل المطري
الحق والباطل في صراع مستمر، وقد أخبرنا الله عن استمرار الكافرين في قتال المسلمين ليصرفوهم عن دينهم الحق، وبين أن الكافرين يكيدون بالمسلمين ويمكرون بهم في كل حين.
ومن حكمة الله أنه يدفع شر بعض الناس ببعض، ففرض الله الجهاد على هذه الأمة، وجعل للنَّصر والتمكين أسبابًا متى أخذ بها المسلمون نصرَهم الله على أعدائهم، وهذه الأسباب كلها مذكورة في كتاب الله:
(1) الإيمان والعمل الصالح: قال الله سبحانه: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْـمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: 47]، وقال: ﴿إنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: 38]، فالله سبحانه مع المؤمنين الصالحين بالنصر والتأييد، وقد وعدهم بالدفاع عنهم، وضمن لهم إن حققوا الإيمان اعتقادا وقولا وعملا أن لا يجعل للكافرين عليهم سبيلا مستمرة في كل حين، فقد ينتصر الكفار في بعض المواطن والأوقات بسبب تفريط المؤمنين في بعض أسباب النصر، وسنة الله التي لا تتخلف أن ينصر المؤمنين الكاملي الإيمان في الحياة الدنيا على أعدائهم بالغلبة إن قاتلوهم، وبالحجة إن ناظروهم، وبالانتقام منهم إن قتلوهم وظلموهم.
(2) تقوى الله والإخلاص: تقوى الله هي امتثال أوامره واجتناب نواهيه، وأعظم ما أمر الله به التوحيد والإخلاص، وأعظم ما نهى الله عنه الشرك، ومنه الرياء، وإرادة الدنيا بعمل الآخرة، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْـمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 194]، وقال جل وعز: ﴿إنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: 128].
(3) نصرة الله: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]، وقال سبحانه: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْـمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْـمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج: 40، 41]، فمن أعظم أسباب النصر نصرة الله بإقامة الدين الحق علمًا وعملًا وحُكمًا، والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
(4) اجتـماع الكلـمة على الحق، وإصلاح ذات البين، وعدم التــنازع والتـفرّق، والقتال تحت راية واحدة بقيادة واحدة: قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]، وقال عز وجل في أول سورة الجهاد وهي سورة الأنفال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: 1]، فأول طريق التمكين للأمة تقوى الله وإصلاح ذات البين.
(5) إعداد ما يُستطاع من قوّة: القوة مطلب شرعي، فالإسلام دين القوة والعزة، وقوام الإسلام بكتابٍ يهدي، وسيفٍ ينصر، قال الله سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: 60]، فالإٍسلام ينهى عن الضعف والمهانة، وموالاة الأعداء والتبعية لهم، ويأمر بتحصيل جميع أسباب القوة المادية والمعنوية بقدر الإمكان، ولا عزة للمسلمين إلا بالإسلام، ومهما ابتغوا العزة في غيره أذلهم الله.
(6) الصبـر في الجهاد، والثبات عند اللقاء: قـال الله تعالى: ﴿وَإن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عـمــران: 120]، وقال سبحانه: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46]، وقــال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُــوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِــحُونَ﴾ [آل عمران: 200]، وقــال تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: 45].
(7) إقامة الصلاة والإكـثـار مـــن ذكر الله واستغفاره ودعـائـه والاستغاثة به: قال الله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153]، وقـــال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: 45].
( 8 ) التوكل على الله: يجب على المسلمين أن تتعلق قلوبهم بالله وحده في طلب تحقيق النصر، ويتبرءوا من حولهم وقوتهم، قال الله تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: 160]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: 126]، فالتوكل من أعظم أسباب النصر؛ لأن المتوكلين يفوضون أمورهم إلى الله القادر على كل شيء، فيعتمدون على الله وحده في جلب ما ينفعهم، ودفع ما يضرهم، مع أخذهم بالأسباب الشرعية المتيسرة لهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: 3].
(9) وضوح الغاية من الجهاد: من أسباب النصر أن يكون هدف المسلمين من الجهاد واضحًا، وهو إعلاء كلمة الله، ونشر الدين لإنقاذ الكافرين من عذاب الله في جهاد الطلب (الغزو)، والدفاع عن المسلمين وحماية دينهم ومقدساتهم وأعراضهم وأموالهم وأرضهم في جهاد الدفع، فالجهاد في الإسلام ليس لأطماع دنيوية، ولا لمنافع مادية، وإنما هو لإعلاء كلمة الله، ولإنقاذ الكافرين من عذاب الله؛ ولذلك كان الجهاد من أساليب الدعوة إلى الله، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: 38، 39].
(10) موالاة المؤمنين، والبراءة من الكافرين والظالمين: قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: 56]، وقال سبحانه: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ﴾ [هود: 113]، فمن أعظم أسباب النصر: الولاء للمؤمنين المتقين، أينما كانوا، من غير تعصب لبعضهم على بعض، والبراءة من الكافرين والظالمين، فإن لم يحقق المسلمون الولاء والبراء كما أمرهم الله، وصاروا أحزابًا متفرقين، وصارت لهم ولاءات ضيقة، فستكون فتنة في الأرض وفساد كبير، كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: 73]، وقال عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: 159].
(11) الحكمة في الجهاد: قال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 269]، والحكمة هي وضع الشيء في موضعه، والإسلام دين القوة والحكمة، والحكمة في الجهاد لها صور كثيرة:
فمن الحكمة في الجهاد: التثبت، والمشاورة، والرجوع إلى المتخصصين في كل أمر، والتعامل بحكمة وحزم في قضايا النوازل، بلا عنف ولا ضعف، والرجوع في حل كل خلاف بين المسلمين إلى كتاب الله وسنة رسوله، والرضا بحكم الشريعة، والمحافظة على سيادة الدولة المسلمة وعزتها، وعدم الرضا بالذلة والمهانة، وترك التبعية في السياسة لأي دولة من الدول الكافرة، وعدم اتخاذ أولياء من غير المسلمين، والحذر من كيد الكافرين ومكرهم، والكيد بالكافرين في الحرب، فالحرب خدعة كما صح ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبول الصلح والهدنة مع الكفار إن كان في ذلك مصلحة راجحة للمسلمين، وتحييد الأعداء، وترك من لم يقاتل المسلمين، ومدافعة الغزو الثقافي والفكري، وصد الشائعات، وكشف الشبهات، وتسمية الأشياء بأسمائها الشرعية، وتبيين المصطلحات على حقيقتها، فمن كيد أعداء الدين تلاعبهم بالمصطلحات لتلبيس الحق بالباطل، فحرب المصطلحات معركة خطيرة، شديدة الفاعلية، قوية التأثير، تتسلل كالخلية السرطانية إلى عقول الناس لتسْكُنَها، وتبدأ في تخريب ما حولها، وذلك بعد أن يُمكَّن لها عن طريق الإلحاح الإعلامي، ومن الحكمة: تشجيع من خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا على التوبة، وقبول توبة التائبين، واحتضانهم، وعدم الاستغناء عنهم، ومن الحكمة: عذر من أخطأ الطريق من العاملين للإسلام في بعض الأمور من غير قصد للمخالفة، أو باجتهاد خاطئ أو تقدير مصلحة مرجوحة، والثناء على كل من عمل للإسلام فيما أصاب فيه، والاستغفار له فيما أخطأ فيه، وإلى هذا هدى الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم في تعامله مع أصحابه الذين أخطأوا في غزوة أحد، وتسببوا في هزيمة المسلمين، قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [آل عمران: 159]، فهذه سنة نبي الرحمة، ونبي التوبة، وليس من سنته التنفير والتعسير، وقد أمر الله بالعدل والإحسان في معاملة الخلق، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].
فمن غلب خيره شره فهو على خير، سواء كان سلطانًا أو أميرًا أو وزيرًا أو عالمًا أو مفتيًا أو مصنِّفًا أو عابدًا أو مجاهدًا أو طبيبًا أو جماعة أو دولة أو غير ذلك، قال ابن القيم: "من قواعد الشرع والحكمة أيضا أن من كثرت حسناته وعظمت، وكان له في الإسلام تأثير ظاهر؛ فإنه يحتمل له ما لا يحتمل لغيره، ويُعفى عنه ما لا يُعفى عن غيره؛ فإن المعصية خبث، والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث". مفتاح دار السعادة (1/ 176). فكل مسلم تحرى الحق بقدر استطاعته، واجتهد فيما يقربه إلى الله، ثم أخطأ فينبغي عذره، والاستغفار له، مع التناصح والتواصي بالحق.
(12) حسن الأخلاق: الإسلام دين الأخلاق الكريمة، فهو يأمر بكل خلق حسن، وينهى عن كل خلق سيء، وقد قال الله عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]، وإن من أسباب النصر: التحلي بالأخلاق الفاضلة مع الأعداء، وهذا مما يدعوهم إلى الإسلام، ويرغبهم في التوبة إلى الله.
هذه أهم أسباب النصر والتمكين كما بينها الله لنا في القرآن الكريم، فإذا اتقى اللهَ المسلمون فأخذوا بها بقدر استطاعتهم؛ فسينصرهم الله، ولن يخلف الله وعده، وإن ظلموا أنفسم فقصَّروا في الأخذ بها؛ فلا يلوموا إلا أنفسهم، وسينصر الله دينه بغيرهم، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63]، وقال عز وجل: ﴿وَإن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: 38].