جواز ذكر الحديث الضعيف في الفضائل من غير جزم بثبوته، وعدم جواز نفيه بلا علم
قال ابن تيمية رحمه الله: "سوَّغ العلماء أن يُروى في باب الوعد والوعيد من الأحاديث ما لم يُعلم أنه كذب وإن كان ضعيف الإسناد، بخلاف باب الأمر والنهي فإنه لا يُؤخذ فيه إلا بما يثبت أنه صدق؛ لأن باب الوعد والوعيد إذا أمكن أن يكون الخبر صدقا وأمكن أن يوجد الخبر كذبا لم يجز نفيه؛ لا سيما بلا علم كما لم يجز الجزم بثبوته بلا علم؛ إذ لا محذور فيه" انتهى من مجموع الفتاوى (15/ 193).
قلت: وقد أجاز النبي صلى الله عليه وسلم التحديث عن بني إسرائيل بما لا يعلم كذبه مع عدم الجزم بصدقه ولا الجزم بكذبه، فمن بابٍ أولى جواز رواية الحديث الضعيف الذي لا نعلم كذبه، ويحتمل أنه صحيح في نفس الأمر، لكن لا نجزم به، وهذا ما أخذ به كثير من علماء الحديث في كتبهم - كابن تيمية وابن القيم وابن كثير وابن رجب وابن حجر وغيرهم من حفاظ الحديث - حيث يذكرون أحيانا في مصنفاتهم أحاديث ضعيفة من غير جزم بصحتها، وإن كانوا كثيرا يبينون حالها من الضعف، لكن أحيانا يكتفون بذكر من أخرجها من غير ذكر ضعفها، فيعجب بعض طلاب العلم من إيراد هؤلاء العلماء الكبار لبعض تلك الأحاديث الضعيفة، ولو علم هذه الفائدة الدقيقة التي ذكرها ابن تيمية عن العلماء لبطل عجبه.
وإن من أخطاء بعض طلاب العلم الجزم بتكذيب الحديث الضعيف المذكور في فضائل الأعمال، وليس هذا معروفا عن أهل العلم، بل أهل العلم حين يُبينون ضعف الحديث لا يجزمون بكذبه، والجزم بتكذيب الحديث الضعيف خطأ مقابل لخطأ العوام الذين يجزمون بتصديق الحديث الضعيف ويعملون به، وأما علماء الحديث فلا يصدقون بالحديث الضعيف لعدم صحة إسناده، ولا يُكذِّبونه إلا إذا كان سنده شديد الضعف أو كان موضوعا أو مخالفا لآية أو لحديث صحيح أو مخالفا للأصول أو لغير ذلك من القرائن التي تدل على بطلانه.
قال ابن تيمية في قوله تعالى: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ} [يونس 39] "أي: لم يحيطوا بمعرفته، .. هذه الآية توجب أن الإنسان لا يُكذِّب إلا بخبر يعلم ويعرف أنه كذب، والخبر المجهول يسكت عنه" ((بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية)) (8/ 288).
وعلى طالب العلم أن يُفرِّق بين رواية الحديث الضعيف وبين العمل به، فالحديث الضعيف - وإن جاز ذكره في الفضائل - لا يجوز العمل به في العقائد والأحكام، ولا تثبت به المشروعية والاستحباب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (1/ 250، 251): "لا يجوز أن يُعتمد في الشريعة على الأحاديث الضعيفة التي ليست صحيحة ولا حسنة لكن أحمد بن حنبل وغيره من العلماء جوزوا أن يُروى في فضائل الأعمال ما لم يُعلم أنه ثابت إذا لم يُعلم أنه كذب. وذلك أن العمل إذا عُلم أنه مشروع بدليل شرعي ورُوي في فضله حديث لا يُعلم أنه كذب جاز أن يكون الثواب حقا، ولم يقل أحد من الأئمة: إنه يجوز أن يُجعل الشيء واجبا أو مستحبا بحديث ضعيف، ومن قال هذا فقد خالف الإجماع. وهذا كما أنه لا يجوز أن يُحرَّم شيء إلا بدليل شرعي لكن إذا عُلم تحريمه ورُوي حديث في وعيد الفاعل له ولم يُعلم أنه كذب جاز أن يرويه، فيجوز أن يروي في الترغيب والترهيب ما لم يعلم أنه كذب لكن فيما علم أن الله رغَّب فيه أو رهَّب منه بدليل آخر غير هذا الحديث المجهول حاله. وهذا كالإسرائيليات يجوز أن يُروى منها ما لم يُعلم أنه كذب للترغيب والترهيب فيها علم أن الله تعالى أمر به في شرعنا ونهى عنه في شرعنا. فأما أن يُثبت شرعا لنا بمجرد الإسرائيليات التي لم تثبت فهذا لا يقوله عالم".
وروى الخطيب البغدادي رحمه الله في كتابه الكفاية في علم الرواية ص 134 في باب التشدد في أحاديث الأحكام, والتجوز في فضائل الأعمال عن النوفلي قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: إذا روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحلال والحرام والسنن والأحكام تشددنا في الأسانيد، وإذا روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضائل الأعمال، وما لا يضع، حكماً أو يرفعه، تساهلنا في الأسانيد.
وروى الحاكم في المستدرك (1/ 666) عن عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله قال: "إذا روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحلال والحرام والأحكام شددنا في الأسانيد وانتقدنا الرجال، وإذا روينا في فضائل الأعمال والثواب والعقاب والمباحات والدعوات، تساهلنا في الأسانيد".
ولا شك أن الأفضل الاقتصار على ذكر الأحاديث الصحيحة والحسنة، وفيها كفاية عن الأحاديث الضعيفة والمعلولة، كما أن الأفضل عدم ذكر الروايات الإسرائيلية في كتب التفسير وغيرها، لكن من ذكرها فلا حرج عليه بنص قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج))، وهذا بيان لعذر المفسرين الذين يذكرونها أخذا بهذه الرخصة، وإن كان بعضهم يتوسع في ذلك ويروي ما يُعلم بطلانه، لكن المقصود بيان عذر العلماء الذين يذكرون بعض الأحاديث الضعيفة في كتبهم، وأنهم أولى بالعذر ممن يذكر الروايات الإسرائيلية.
وأؤكد في آخر هذا المقال على أن الأفضل والأكمل والأسلم للعالم ولطالب العلم وللخطيب عدم ذكر الأحاديث الضعيفة، لا سيما والعامة يصدقونها ولا يعلمون أن العلماء إذا ذكروها لا يصدقون بها ولا يكذبونها، ومن احتاج إلى ذكر حديث ضعيف - ولو في فضائل الأعمال - في خطبة أو كتاب أو مقال فليبين ضعفه إبراء للذمة، ونصحا للأمة، والله الموفق.