اللغة والأدب والشعر

مختارات من لامِيتيّ العرب والعجم

مشاركة المنشور:

مختارات من لامِيتيّ العرب والعجم

لامية العرب هي قصيدة مشهورة، آخر كل بيت منها حرف اللام، وهي للشاعر الجاهلي عمرو بن مالك الأزدي اليماني، الملقب بالشَنْفَرَى يعني عظيم الشفتين، عاش بين قوم من العرب مستعبدا حتى شب فعرف حقيقة أمره فعاداهم، وأقسم أن يقتل منهم مائة رجل بما استعبدوه، وكان شجاعاً، ذا بأس شديد، من فُتاك العرب، وكان موصوفا بالجري الشديد فلا تلحقه الخيل، توفي قتيلا في الجاهلية قبل ولادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

ولامية العجم ناظمها الحسين بن علي الطُغْرائي الأصبهاني، كان من أعيان عصره، لطيف الطبع، له شعر جميل، ومن أحسن شعره اللامية التي سمِّيَت بلامية العجم تشبيها لها بلامية العرب؛ لأنها تضاهيها في حِكَمِها وأمثالها، وكان له مكانة عالية في الدولة السلجوقية، وصار وزيرا في آخر حياته، وتوفي مقتولا سنة 515 هجرية، وهذه مختارات تشتمل على أحسن ما في اللاميتين.

اختارها وعلق عليها/ محمد بن علي بن جميل المطري

غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين

13 رجب 1444 هجرية



أولا: لامية العرب، للشَّنْفَرَى، عدد أبياتها 68 بيتا، وهذه 20 بيتا مختارة منها:

أَقِيمُوا بَنِي أُمِّي صُدورَ مَطِيِّكُمْ([1]) ... فإنِّي إلى قومٍ سِواكُمْ لأَمْيَلُ([2])

وفي الأرضِ مَنْأًى([3]) للكريمِ عنِ الأَذَى ... وفيها لِمَنْ خافَ القِلَى([4]) مُتَحوَّلُ

لعَمْرُكَ([5]) ما في الأرضِ ضِيقٌ على امْرِئٍ ... سَرَى([6]) راغباً أو راهِباً وهْو يَعقلُ

وإنْ مُدَّتِ الأَيْدِي إلى الزادِ لم أَكُنْ ... بأَعْجَلِهم إذْ أجْشَعُ([7]) القومِ أعْجَلُ

وما ذاك إلاَّ بَسطةٌ عن تَفَضُّلٍ ... عليهم وكان الأفضَلَ الْمُتَفَضِّلُ([8])

وإِنِّي كَفانِي فَقْدَ مَن ليس جَازِياً ... بِحُسْنَى ولا في قُرْبِهِ مُتَعَلَّلُ([9])

ولستُ بِمِهْيَافٍ([10]) يُعَشِّي سَوَامَهُ([11]) ... مُجَدَّعَةً سُقبانُها([12]) وهْي بُهَّلُ([13])

ولا جُبَّأٍ أَكْهَى([14]) مُرِبٍّ بعِرْسِهِ([15]) ... يُطَالِعُها في شأنِه كيف يَفعلُ([16])

ولا خَرِقٍ([17]) هَيْقٍ([18]) كأنَّ فُؤَادَهُ ... يَظَلُّ به الْمُكَّاءُ([19]) يَعلُو ويَسْفُلُ([20])

ولا خالِفٍ دَارِيَّةٍ مُتَغَزِّلٍ ... يَرُوحُ ويَغْدُو داهِناً يتَكَحَّلُ([21])

ولستُ بِعَلٍّ([22]) شَرُّه دونَ خَيْرِهِ ... ألَفَّ([23]) إذا ما رُعْتَهُ اهتاجَ أَعْزَلُ([24])

أُدِيمُ مِطالَ الْجُوعِ حتى أُمِيتَهُ ... وأَضْرِبُ عنه الذكْرَ صَفْحاً فأَذْهَلُ([25])

وأَطْوِي على الْخُمْصِ الْحَوايَا([26]) كما انْطَوَتْ ... خُيُوطَةُ مَارِيٍّ تُغارُ وتُفْتَلُ([27])

وأَغْدُو على القُوتِ الزَّهيدِ كما غَدَا ... أَزَلُّ تَهَادَاهُ التَّنائِفُ أَطْحَلُ([28])

غَدَا طَاوياً يُعارِضُ الريحَ هافِياً ... يَخوتُ بأذنابِ الشِّعَابِ ويَعْسِلُ([29])

وآلَفُ وجْهَ الأرضِ عندَ افتِرَاشِها ... بأَهدأَ تُنْبِيهِ سَنَاسِنُ قُحَّلُ([30])

وإِلْفُ هُمومٍ ما تَزالُ تَعودُه ... عِياداً كحُمَّى الرِّبْعِ أو هيَ أَثْقَلُ([31])

إذا وَرَدَتْ أَصْدَرْتُهَا ثم إنها ... تَثوبُ فتأتِي مِن تُحَيْتٍ ومِن عَلُ([32])

وأُعْدِمُ أَحياناً وأَغْنَى وإنما ... يَنالُ الغِنَى ذو البُعْدَةِ الْمُتَبَذِّلُ([33])

فلا جَزِعٌ مِن خَلَّةٍ مُتَكَشِّفٌ ... ولا مَرِحٌ تَحْتَ الغِنَى أتَخَيَّلُ([34])


ثانيا: لامية العجم، للطغرائي، عدد أبياتها 59 بيتا، وهذه 27 بيتا مختارة منها:

أصالةُ الرأيِ صانَتْنِي عنِ الخَطَلِ ... وحِليةُ الفضلِ زانَتْني لدَى العَطَلِ([35])

فِيمَ الإقامةُ([36]) بالزَّوراءِ لا سَكَني ... بها ولا ناقَتي فيها ولا جَملي

نَاءٍ عن الأهلِ صِفْرُ الكَفِّ مُنفَرِدٌ ... كالسيفِ عُرِّيَ مَتْناهُ من الحُللِ([37])

فلا صديقَ إليه مُشتكَى حَزَنِي ... ولا أنيسَ إليه مُنتَهى جَذَلي([38])

طالَ اغترابي حتى حَنَّ راحِلتي ... ورَحْلُها وقِرَى العَسَّالةِ الذُّبُلِ([39])

فقلتُ أَدعوكَ للجُلَّى لتنصُرَنِي ... وأنت تخذِلُني في الحادثِ الجَلَلِ([40])

أُريدُ بسْطةَ كَفٍ أستعينُ بها ... على قضاءِ حُقوقٍ للعُلَى قِبَلي([41])

والدهرُ يعكِسُ آمالِي ويُقْنِعُني ... من الغنيمةِ بعد الكَدِّ بالقَفَلِ([42])

حُبُّ السَّلامةِ يُثْنِي همَّ صاحِبِه ... عنِ المعالي ويُغرِي المرءَ بالكَسَلِ([43])

فإن جَنَحْتَ إليه فاتَّخِذْ نَفَقاً ... في الأرضِ أو سُلَّماً في الجوِّ فاعتزِلِ([44])

ودَعْ غِمارَ العُلى للمُقدِمين على ... رُكوبِها واقتنِعْ منهُنَّ بالبَلَلِ([45])

رضَى الذليلِ بخَفْضِ العَيشِ مَسْكَنَةٌ ... والعِزُّ عندَ رسِيمِ الأينُقِ الذُلُلِ([46])

إنَّ العُلَى حدَّثَتْني وهْي صادقةٌ ... في ما تُحدِّثُ أنَّ العِزَّ في النُقَلِ([47])

أُعلِّلُ النَّفسَ بالآمالِ أَرْقُبُها ... ما أَضيقَ العَيشَ لولا فُسْحةُ الأمَلِ([48])

غالى بِنَفْسِيَ عِرفَاني بِقِيمَتِها ... فَصُنْتُها عن رَخِيصِ القَدْرِ مُبتَذَلِ([49])

وإنْ عَلانِيَ مَنْ دُونِي فلا عَجَبٌ ... لي أُسوةٌ بانحطاطِ الشمْسِ عن زُحَلِ([50])

ما كنتُ أُوثِرُ أن يمتدَّ بي زَمَني ... حتى أَرى دَولةَ الأَوغادِ والسَّفَلِ([51])

هذا جَزاءُ امرئٍ أقرانُه درَجُوا ... مِن قَبْلِهِ فتمنَّى فُسْحةَ الأجَلِ([52])

فاصبِرْ لها غيرَ مُحتالٍ ولا ضَجِرٍ ... في حادثِ الدهرِ ما يُغني عن الحِيَلِ([53])

أعدى عَدُوِّكَ أدنى مَنْ وَثِقْتَ به ... فحاذِرِ الناسَ واصحَبْهُمْ على دَخَلِ([54])

وإنّما رَجُلُ الدُّنيا وواحِدُها ... من لا يُعَوِّلُ في الدُّنيا على رَجُلِ([55])

غاضَ الوفاءُ وفاضَ الغدرُ وانفرجتْ ... مسافةُ الخُلْفِ بين القولِ والعَمَلِ([56])

وحُسنُ ظَنِّكَ بالأيامِ مَعْجَزَةٌ ... فظُنْ شَرّاً وكُنْ منها على وَجَلِ([57])

مُلْكُ القَناعةِ لا يُخْشَى عليه ولا ... يُحتاجُ فيه إِلى الأَنصارِ والخَوَلِ([58])

ترجو البَقاءَ بدارٍ لا ثَباتَ لها ... فهل سَمِعْتَ بِظلٍّ غيرِ مُنتَقِلِ([59])

ويا خبيراً على الأسرار مُطّلِعاً ... اصْمُتْ ففي الصَّمْتِ مَنْجاةٌ من الزَّلَلِ([60])

قد رشَّحوك لأمرٍ إنْ فَطِنتَ لهُ ... فارْبأْ بِنفْسِكَ أن تَرعى مع الهَمَلِ([61])

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) جمع مطية، وهي الدابة التي يرُكب عليها، وإقامة صدور المطي: إعمالها في السير، وقد يقصد به الجد في الأمر، وهذا هو المراد هنا، كان الشنفرى نازلا في بني أمه التي سباها قوم من العرب، فغضب منهم ورحل إلى غيرهم.

([2]) المعنى: جدوا يا بني أمي في أمركم، ولا تتوهموا ميلي إليكم لكوني نازلا فيكم؛ فإنني أشد ميلا إلى قوم غيركم.

([3]) أي: مكان بعيد.

([4]) أي: البغض.

([5]) أي: لحياتِك، وهو قَسَمٌ للتأكيد.

([6]) أي: سار ليلا.

([7]) أي: الأكثر جَشَعا، وهو أشد الحرص، وأن يأخذ الإنسان نصيبه وعينه في نصيب غيره.

([8]) المعنى: ليس انقباض يدي عن تناول الزاد قبل جلسائي لعلة سوى سماحة ناشئة عن إحساني إليهم، فأنا عليهم أتفضل، وكل متفضل على غيره أفضل منه، ونصب الأفضلَ لأنها خبر (كان) مقدم، والمتفضلُ بالرفع اسمها مؤخر.

([9]) أي: لا أبالي بفقد الشخص الذي ليس مكافئا على الفعلة الحسنى، وليس في القرب منه خير فتتلهى به النفس.

([10]) أي: الشديد العطش.

([11]) أي: المراد بالسوام هنا الإبل، وعشاها: رعاها ليلا.

([12]) السُّقبان: أولاد الإبل، وتجديع السقبان: إساءة غذائها.

([13]) البُهَّل جمع باهِل: وهي الناقة التي ضرعها غير مشدود، يقول: لست راعيا سريع العطش حين يرعى إبله ليلا في حال كون الإبل جائعة الأولاد لقلة اللبن، وفي حال كونها غير مشدودة الضروع لعدم وجود اللبن فيها، فأستعجل الرجوع إلى أهلي، بل أحسن رعي إبلي في الأماكن البعيدة وأنا صابر على العطش الشديد.

([14]) الجُبَّأُ: الجبان. والأكهى: الجبان الضعيف، فهو تأكيد للجبان.

([15]) العِرس: الزوجة، والإرباب بها ملازمتها.

([16]) أي: لا يؤامر زوجته في شئونه كيف يفعل فيها.

([17]) أي: دَهِشَ من خوفٍ أو حياءٍ.

([18]) الهيق الذكر من النعام، ويقال لكل طويل دقيق: هيق، تشبيها به، أي: لست كالنعام في نفوره عند الخوف.

([19]) المـُكَّاء: طائر يصفر ويصوت كثيراً.

([20]) أي: لست كالجبان الذي يسمع لقلبه تصويت لما يلحقه من الخوف حتى كأن به صوت صفير يعلو ويسفل.

([21]) أي: لست بالرجل الفاسد الذي يتخلف عن الناس في أهاليهم بالريبة، لا يفارق البيوت ليغازل النساء، رائح غاد متطيبا متكحلا يستميل بذلك النساء، فهو يصف نفسه بالعفة بعد أن وصفها بالقناعة والصبر والشجاعة.

([22]) الضعيف من كِبرٍ أو مرض.

([23]) الأَلَفّ عند العرب الرجل الذي لا يقوم لحرب ولا لضيف، وإنما يلتف وينام.

([24]) أي عند الخوف يُسرع بحمق من غير سلاح معه.

([25]) المعنى أن ألم الجوع ينتفي عني إما بإماتته بالإطالة وإما بنسيانه بالإعراض عنه.

([26]) الأمعاء التي تحوت, أي استدارت.

([27]) أي: أشُد الأمعاء على جوعها فتنطوي كما انطوت خيوط الكساء الصغير الذي يُسمَّى: الماري, في حال كونها تغار أي: يُحكم فتلها، وصف نفسه بالقناعة والزهد فيما في أيدي الناس، والصبر على الجوع وإن اشتد.

([28]) الأزل: الذئب القليل لحم الأَلْيَة, ونحافة مؤخرة الذئب أشد لوثوبه، والأطحل: ذو الطُّحلة، وهي لون بين الغبرة والبياض، والتنائف: جمع تنوفة وهي الصحراء، والمعنى: أسير غدوة إلى محل القوت المزهود فيه فرارا من الذم سيرا حثيثا شبيها بسير الذئب القليل لحم العجز, المغبر اللون إلى قوته في ذلك الوقت في حال كونه تتهاداه المفاوز.

([29]) طاويا صابرا على الجوع لم يأكل شيئا، يعارض الريح أي يسير جهة هبوبها، وهو أصعب السير، وهافيا: يذهب يمينا وشمالا مسرعا من شدة الجوع، ويخوت: يُسمع صوت انقضاضه، والشعاب جمع شِعْب، وهو ما انفرج بين جبلين، وأذناب الشعاب: أسافلها, وعسلان الذئب صفة مشيته إذا أسرع.

([30]) الأهدأ الشديد الثابت، وتنبيه أي: تبعده، والسناسن حروف فَقَار الظهر، وقُحَّل أي: يابسة، وصف نفسه بمقاسات المشقات حتى ألفها، فأخبر عن نفسه أن يفترش الأرض فيضطجع عليها بمنكب منحن، أبعدت ذلك الأهدأ عن الأرض حروف فقار الظهر اليابسة، فهو لا يجد لقساوة الأرض ألما عندما يفترشها ليبس أضلاعه.

([31]) حُمَّى الرِّبْع: هي الحمى التي تأتي المريض يوماً وتقلع يومين، وتأتي في اليوم الرابع، والمعنى أن الهموم تعتادني كما تعتاد حمى الربع المحموم، يصف نفسه بالصبر على الهموم التي تأتيه مرة بعد مرة حتى اعتادها.

([32]) المعنى: الهموم تأتيني فإذا دفعتها بما أقدر عليه تغلبني فترجع عليَّ فتأتيني من فوقي ومن تحتي فلا أتضجر منها.

([33]) المعنى: أفتقر أحيانا وأغنى أحيانا، وإنما ينال الغنى غالبا صاحب الهمة العالية الذي لا يصون نفسه عن التعب ومفارقة الأهل وركوب الأخطار، فمن جدَّ وجد.

([34]) الجَزِع المتضجر فاقد الصبر، والخَلَّة الحاجة والفقر، والمتكشِّف: المظهر فقره للناس، والمتخيِّل: مظهر الخيلاء، المعجب بنفسه، يصف نفسه بالصبر عند الشدة، وعدم البطر عند الرخاء.

([35]) أي: الرأي الأصيل يصونني عن الخطأ في القول والعمل، وحلية علمي تزينني عند فقدي متاع الدنيا.

([36]) الزوراء منطقة في بغداد، وقد نظم الشاعر هذه القصيدة وهو في بغداد سنة 505 للهجرة، ثم رحل عنها وجعل الله سبحانه له في غيرها رزقا واسعا ومكانة عالية.

([37]) يعني: وأنا في بغداد بعيد عن الأهل، فقير ليس في كفي شيء من المال، وأنا منفرد عن الناس كالسيف الذي جُرِّد عن حليته فلا تنظره العيون، مع كونه قاطعا نافعا عند الحاجة إليه وإن كان بلا زينة.

([38]) الجذل الفرح، يعني: وأنا في بغداد لا أجد صديقا يكون مشتكى حزني، ولا أنيسا يكون منتهى فرحي.

([39]) حنين الناقة: صوتها إلى ولدها، والراحلة: الناقة التي تصلح أن يوضع عليها الرحل الذي يجلس عليه الراكب، وقِرى العسَّالة: أعلى الرِّماح، الذُّبُل: جمع ذابل، يصف الرماح بالخفة والرقة، والمعنى: طال اغترابي إلى أن حنت راحلتي، وحن رحلها، وحنت أعالي رماحي إلى السكون والاستقرار بدلا من الاضطراب والتنقل في الأسفار.

([40]) يوبخ صاحبه الذي ترك نصرته بقوله: أدعوك للأمر العظيم لتعينني فيه، وأنت تخذلني في هذا الأمر العظيم؟!

([41]) العُلى: الرِّفعة والشرف، وجمعها المعالي، والقِبَل: الطاقة، يعني: أحاول الحصول على المال الكثير لأقضي الحقوق التي استقرت في ذمتي، فيعلو قدري وشرفي.

([42]) الدهر الزمان، والله سبحانه هو الذي يدبر أمور خلقه، ولا يجوز سب الدهر ولا التشكي منه، وإذا قدر الله شيئا للإنسان يسر أسبابه، وفتح أبوابه، والكد: التعب في طلب الرزق، والقَفَل: الرجوع من السفر.

([43]) يعني حب السلامة من التعب والمنغصات يعطف عزم الإنسان عن اكتساب المعالي، ويُغريه بالكسل، والعاقل يحرص على خير الدنيا والآخرة ما استطاع، ولا يرضى بالقليل مع إمكان الكثير، لا سيما في أمور الآخرة.

([44]) يعني إن ملت إلى حب السلامة فادخل في نفق أو اصعد في سلم إلى السماء؛ لأن السلامة متعذرة عليك ما دمتَ بين الناس، وما دمت في هذه الدار لا تسلم من الأكدار، وفي هذا تحريض على السعي في طلب الأرزاق.

([45]) الغمرة: الشدة والزحمة في الماء والناس، والإقدام الشجاعة والسعي في تحصيل الخير من غير تردد، يعني اترك المسابقة في الخيرات للساعين إليها، المجتهدين في تحصيلها، واقنع بالشيء اليسير، فما فاز باللذات من ليس يقدم.

([46]) الخفض: الراحة، والأينق: جمع ناقة، والرسيم: نوع من سير الإبل، يعني: رضا الذليل بلين العيش مع وجود الذل مسكنة عند النفس الأبية، فعليه أن يترك موطن الذل، فالعز موجود عند سير النوق المذللة في الأسفار.

([47]) العُلى أمور معنوية لا تتصف بالكلام، ولكنه لما جرَّب وجود العز بالنقلة والحركة صارت التجربة عنده علما استفاده، فكأن العُلى حدثته أن العز يوجد للإنسان عند حركته وانتقاله إلى مكان يلائمه ويوافقه.

([48]) يعني أُمنِّي نفسي وأعللها بانتظار تحقق الآمال فيتسع لها ما ضاق عليها من العيش، ففسحة الأمل توسع العيش، وانتظار الفرج عبادة.

([49]) يعني عرفاني بنفسي رفع قيمتها؛ فلهذا أصونها ولا أبذلها لشيء رخيص القدر ممتهن.

([50]) يعني وإن علاني في الدنيا من هم دوني في العلم والأخلاق والفضل فلي أسوة بكون الشمس دون كوكب زُحَل، فهو أعلى من الشمس، وهي أكبر منه وأكثر نفعا.

([51]) يعني ما كنت أختار أن يمتد بي عمري حتى تنقضي دولة الكرام وأرى بعدها دولة أراذل الناس وسَفَلَتِهم.

([52]) يعني هذا الذي أنا فيه من الغربة والفقر ورؤية ولاية الأوغاد جزاء إنسان مات إخوانه فتمنى الحياة بعدهم.

([53]) يعني اصبر على المقادير المؤلمة التي لا مفر منها صبر من لا يقلق ولا يحتال للتخلص منها، فإن المقادير تأتي بما لا يقدر الإنسان على رده، والصبر عبادة، والرضا بالقضاء سعادة وطمأنينة.

([54]) يعني أشد عداوة لك أقرب من وثِقت به، فصاحِب الناس على حذر، فقد يكون الصديق عدوا.

([55]) يمدح الرجل الحازم الذي يسيء ظنه بالناس، ولا يثق كل الثقة في دنياه على إنسان، فالإنسان ظالم جاهل إلا من رحم الله من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وقليل ما هم.

([56]) يعني الوفاء نقص، والغدر اشتهر، واتسع الفرق بين القول والعمل عند غالب الناس، فكن حذرا منهم.

([57]) يعني حسن ظنك بالأيام التي تتقلب بتقدير الله عجز ظاهر، والحزم أن تظن شرا بالأيام، فالزمان دوَّار، ودوام الحال من المحال، فلا تأمن تغير الأحوال، وعِش على حذر، ولا تركن إلى الدنيا، ومن توكل على الله كفاه ما أهمه.

([58]) يعني من رزقه الله القناعة بما يسر له من رزق فهو في غنى عن الناس، ولا يحتاج مع القناعة إلى أنصار وخدم يحفظونها، فالقناعة كنز لا يُخشى عليه من الزوال، والغنى غنى النفس.

([59]) يعني أَترجو الخلود في الدنيا وهي دار لا بقاء لها، وهي أشبه شيء بالظل الذي ينتهي ولا يستمر في مكانه؟!

([60]) أي: يا من اطلع على أسرار الناس لا تبد شيئا منها، فإن الصمت نجاة من الخطأ والمفاسد.

([61]) يعني قد أهَّلك الناس لأمر يريدونه منك لمصلحتهم، إن فهمته فصن نفسك أن تكون كالإبل التي بلا راع، واحذر شرار الناس الذين يريدون لك الضرر في دينك أو دنياك، ولا تطاوعهم على ما يريدون منك، وبعض العلماء يستشهد بهذا البيت على أن الله خلق الإنسان لعبادته؛ ليكون في الآخرة من أهل الجنة، فعليه أن يصون نفسه عن اتباع الهوى، ويحذر من الذين يتبعون الشهوات والشبهات، ولا يكون من الغافلين والمبطلين.


الكتاب المرفق

تحميل الكتاب (PDF)