من عجائب مناسبات ترتيب سور القرآن الكريم
تأمل آخر سورة الطور {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ} [الطور: 49] وبعدها أول سورة النجم: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} [النجم: 1].
وفي آخر سورة النجم: {أَزِفَتِ الْآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ} [النجم: 57، 58] أي: اقتربت القيامة الذي من أسمائها الآزفة، أي: القريبة، ثم قال في أول سورة القمر: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} [القمر: 1].
وفي سورة القمر كرر الله فيها العدد واحد أكثر من مرة، كقوله تعالى: {فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا} [القمر: 24] ، وقوله: {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} [القمر: 50]، وفي سورة الرحمن التي تلي سورة القمر غالب آياتها يذكر الله فيها شيئين اثنين، مثل: الشمس والقمر، والنجم والشجر، والسماء والأرض، وكرر فيها مخاطبة الإنس والجن بقوله: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } [الرحمن: 13] ، وذكر فيها المشرقين والمغربين، والبحرين، وأنه يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان، وأنه ذو الجلال والإكرام، وقال: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن: 46]، ووصف الجنتين بأوصاف كثيرة فيها تثنية، كقوله: {فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ} [الرحمن: 50]، وقوله: {فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ} [الرحمن: 52]، وقوله: {فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ} [الرحمن: 66]، وفي سورة الواقعة التي تلي سورة الرحمن قال الله في أولها: {وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً} [الواقعة: 7]، فذكر العدد ثلاثة، وذكر جزاء السابقين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال، ثم ذكر هؤلاء الأصناف الثلاثة في آخر سورة الواقعة!
وقال في آخر سورة الواقعة {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة: 96]، ثم قال في أول سورة الحديد التي تليها: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الحديد: 1].
وبيّن الله سبحانه في أربع سور متتالية كتابة الأعمال في الصحف، في سورة التكوير والانفطار والمطففين والانشقاق.
فذكر في سوة التكوير أن أعمال الإنسان في صُحُف، تُجمع في كتاب واحد، وتُنشر له يوم القيامة: {وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ} [التكوير: 10]، وأخبر في سورة الانفطار أن جميع أعمال الإنسان تُعلم سواء ما قدمها في حياته، أو ما استمرت بعد موته من خير كصدقة جارية أو شر كضلالة يعمل بها من بعده فقال: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} [الانفطار: 5]، وقال في هذه السورة: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ * إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} [الانفطار: 10 - 14]، ثم بين في سورة المطففين أنه إذا مات الإنسان فإن كان من الفُجَّار فإن كتاب أعماله يُحفَظ في سِجِّين، وهو موضع ضيق في الأرض السابعة، وإن كان من الأبرار فإن كتاب أعماله يُحفَظ في عِلِّيِّين في السماء السابعة، قال الله تعالى: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ} [المطففين: 7]، وقال: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ} [المطففين: 18]، و(كتاب) نكرة مضافة إلى معرفة تعم جميع الكتب، مثل قوله تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34]، فنعمة الله تعم جميع النعم، ثم ذكر الله في سورة الانشقاق أن المؤمن يُعطى كتابه بيمينه فقال: { فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} [الانشقاق: 7]، والكافر والفاجر يُعطى كتابه وراء ظهره، قال الله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ } [الانشقاق: 10]، فهذه نماذج من لطائف مناسبات ترتيب سور القرآن الكريم.
قال الفخر الرازي في التفسير الكبير (10/ 110): "أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط".
وكتب/ محمد بن جميل المطري