عِلَل الحديث

كلام العلماء في متن وإسناد الحديث القدسي في التردد في قبض المؤمن

مشاركة المنشور:

كلام العلماء في متن وإسناد الحديث القدسي في التردد في قبض المؤمن

اعلم أن جهابذة المحدِّثين رحمهم الله انتقدوا بعض الألفاظ أو الروايات في أحاديثَ يسيرةٍ في صحيح الإمام البخاري رحمه الله، وهي قليلة جداً، وكلامهم فيها يزيد المسلمَ يقيناً بصحة أحاديث صحيح البخاري؛ لأنَّ المحدِّثين لا يجاملون أحداً كائنا من كان.

وقد اجتهد كبار حفاظ الحديث في تتبع أحاديث صحيحي البخاري ومسلم كلها حديثاً حديثاً، وتكلموا عن أيِّ عِلَّةٍ خَفِيَّةٍ تَظْهَرُ لهم في بعض طرق أحاديثهما، أو في لفظة واحدة، وإنْ كان الحديث صحيحاً محفوظاً من طريقٍ آخر، وكتاب الإمام الدارقطني رحمه الله الإلزامات والتتبع خيرُ شاهدٍ على ذلك، فقد تتبع أحاديث الصحيحين، وتكلم على أدنى علَّةٍ تظهر له، وإنْ كانت غيرَ مؤثرةٍ في صحة الحديث.

وكذلك فعل غير الدارقطني من علماء أهل الحديث النقاد؛ كابن عمار الشهيد، وأبي مسعود الدمشقي، وأبي علي الغساني رحمهم الله.

وأكثر ما يُعِلُّونَ الحديث بأنه روي من طريقٍ آخر موقوفاً أو مرسلاً، ولا يلزم من هذا تضعيفه مرفوعاً أو متصلاً؛ لأنَّ الراوي قد يروي الحديث مرفوعاً، ويرويه أحياناً موقوفاً على الصحابي ولا يرفعه، أو يرويه متصلاً ويرويه أحياناً مرسلاً، فإنْ كان مَنْ رفعه أو وصله ثقة حافظا؛ فلا جناح على البخاري أو مسلم في ذكر الرواية المرفوعة أو الموصولة عنه، والعبرة عند المحدِّثين في ترجيح المرفوع أو الموقوف أو الموصول أو المرسل بالقرائن.

ولا عتب على العلماء النقاد الذين يجمعون طرق الحديث ويرجحون ضعفه بعلم وإنصاف، وبمنهج علمي متين بحسب قواعد المحدثين في البحث والتحقيق، ويبقى قولهم ورأيهم ظنِّيا كما هو رأي من يخالفهم؛ لأن تعليل الأحاديث مبني على غلبة الظن كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري (1/585): "تعليل الأئمة للأحاديث مبني على غلبة الظن، فإذا قالوا: أخطأ فلان في كذا لم يتعين خطؤه في نفس الأمر، بل هو راجح الاحتمال".

وأما من أراد أن يُشَكِّكَ في حديثٍ في صحيح البخاري أو في غيره -مما صح سنده- فلا يقبل منه ذلك إلا إذا أتى بحجة بيِّنة بحسب القواعد التي وضعها أهل الحديث رحمهم الله، فإنهم يجمعون طرق الحديث فيتبين لهم الصواب من الخطأ، وبجمعهم للروايات يتبين لهم حال الرواة في الحفظ والإتقان، فمن وافق أصحابه الذين يشاركونه في الرواية عن شيخهم؛ تبين لهم ضبطه وإتقانه، فإنْ خالفهم بالزيادة والنقصان والخطأ؛ تبين لهم ضعف حفظه، فإن أضاف إلى ذلك تفرُّده بروايات عن شيخهم الواحد ولم يذكرها غيره من طلاب ذلك الشيخ؛ تَبَيَّنَ لأهل الحديث كذب ذلك الراوي، أو اتهموه بالكذب، بحسب إكثاره من التفرد، وبحسب مروياته ومخالفته لأقرانه الذين يروون عن شيخ واحد.

قال ابن الصلاح رحمه الله في كتابه علوم الحديث (ص: 194): "ما انفرد به البخاري أو مسلم مندرج في قبيل ما يُقطع بصحته لتلقي الأمة كل واحد من كتابيهما بالقبول على الوجه الذي فصلناه من حالهما فيما سبق، سوى أحرف يسيرة تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ، كالدارقطني وغيره، وهي معروفة عند أهل هذا الشأن، والله أعلم".

ومن الأحاديث القليلة جدا التي تكلم عليها بعض العلماء وهي في صحيح البخاري هذا الحديث:

قال الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه (6502): "حدثني محمد بن عثمان بن كرامة، حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا سليمان بن بلال، حدثني شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته))".

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله في كتابه جامع العلوم والحكم (2/ 330، 331): "هو من غرائب الصحيح، تفرد به ابن كرامة عن خالد، ليس هو في مسند أحمد، مع أن خالد بن مخلد القطواني تكلم فيه أحمد وغيره، وقالوا: له مناكير، وقد روي هذا الحديث من وجوه أخرى لا تخلو كلها من مقال".

وبيان ذلك أن هذا الحديث تفرد به خالد بن مخلد عن سليمان بن بلال عن شريك بن أبي نمر، وخالد وشريك كلاهما فيه ضعف، وللحديث شواهد سيأتي ذكر ما فيها، قال الشيخ شعيب الأرناؤوط رحمه الله في تحقيق صحيح ابن حبان (2/ 58) ناقلا كلامه عن الحافظ ابن حجر في فتح الباري: ساق الإمام الذهبي في ترجمة خالد بن مخلد من ميزان الاعتدال (1/ 640 - 642) بعد أن ذكر قول أحمد فيه: له مناكير، وقول أبي حاتم: لا يحتج به، قال الذهبي: "ومما انفرد به ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن كرامة عنه، وذكر الحديث القدسي المروي عن أبي هريرة"، ثم قال الذهبي: "هذا حديث غريب جدا لولا هيبة الجامع الصحيح لعدوه في منكرات خالد بن مخلد، وذلك لغرابة لفظه، ولأنه مما ينفرد به شريك، وليس بالحافظ، ولم يرو هذا المتن إلا بهذا الإسناد، ولا خرجه من عدا البخاري، ولا أظنه في مسند أحمد، وقد اختلف في عطاء، فقيل: هو ابن أبي رباح، والصحيح أنه عطاء بن يسار"، ونقل الحافظ في فتح الباري (11/ 341) كلام الذهبي، وعلق عليه بقوله: "قلت: ليس هو في مسند أحمد جزما، وإطلاق أنه لم يرو هذا المتن إلا بهذا الإسناد مردود، ومع ذلك، فشريك شيح خالد فيه مقال أيضا، وهو راوي حديث المعراج الذي زاد فيه ونقص وقدم وأخر، وتفرد فيه بأشياء لم يتابع عليها"، [قلت: لم يتفرد البخاري بإخراج حديث أبي هريرة كما قال الذهبي وتعقبه ابن حجر، فممن رواه غير البخاري: ابن حبان في صحيحه (347) وأبو نعيم في حلية الأولياء (1/ 4)، والبيهقي في السنن الكبرى (6395)، ولعل الحافظ الذهبي يريد لم يخرجه غير البخاري من أصحاب الكتب الستة، والله أعلم].

ثم قال الأرناؤوط ومن معه من محققي صحيح ابن حبان نقلا عن ابن حجر: "ولكن للحديث طرق أخرى يدل مجموعها على أنه له أصلا:

منها عن عائشة أخرجه أحمد في الزهد، والبيهقي في الزهد من طريق عبد الواحد بن ميمون، عن عروة، عنها، وذكر ابن حبان وابن عدي، أنه تفرد به، وقد قال البخاري: إنه منكر الحديث، لكن أخرجه الطبراني من طريق يعقوب بن مجاهد، عن عروة، وقال: لم يروه عن عروة إلا يعقوب وعبد الواحد.

ومنها عن أبي أمامة، أخرجه الطبراني والبيهقي في الزهد بسند ضعيف.

ومنها عن علي عند الإسماعيلي في مسند علي، [وسنده ضعيف كما قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (2/ 332) والحافظ في فتح الباري (11/ 342)].

وعن أنس أخرجه أبو يعلى، والبزار، والطبراني، وفي سنده ضعيف أيضا [كما أفاده ابن رجب في جامع العلوم (2/ 332 - 333) والحافظ في فتح الباري].

وعن حذيفة أخرجه الطبراني مختصرا وسنده حسن غريب [كما قال الحافظ في فتح الباري، وقد أخرجه أبو نعيم في الحلية (6/ 116) عن الطبراني، وقال أبو نعيم: غريب من حديث الأوزاعي، وقال ابن رجب: إسناد جيد، وهو غريب جدًا كما في جامع العلوم (2/ 333)].

وعن معاذ بن جبل أخرجه ابن ماجه (3989) وأبو نعيم في الحلية (1/ 5) مختصرا وسنده ضعيف.

انتهى المراد ذكره من كلام الشيخ الأرناؤوط مما نقله عن فتح الباري، وأضفت بين معكوفتين بعض الزيادات من كلام الحافظين ابن رجب وابن حجر.

وقال المحدث عبد الرحمن المعلمي رحمه الله في كتابه الأنوار الكاشفة (ص: 194، 195): "هذا الخبر نظر فيه الذهبي في ترجمة خالد بن مخلد من الميزان وابن حجر في الفتح (11/ 92)؛ لأنه لم يرو عن أبي هريرة إلا بهذا السند الواحد: محمد بن عثمان ابن كرامة حدثنا خالد بن خلد حدثنا سليمان بن بلال، حدثني شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن عطاء عن أبي هريرة، ومثل هذا التفرد يريب في صحة الحديث، مع أن خالدا له مناكير، وشريكا فيه مقال. وقد جاء الحديث بأسانيد فيها ضعف من حديث علي ومعاذ وحذيفة وعائشة وابن عباس وأنس، فقد يكون وقع خطأ لخالد أو شريك، سمع المتن من بعض الأوجه الأخرى المروية عن علي أو غيره ممن سلف ذكره، وسمع حديثا آخر بهذا السند، ثم التبسا عليه فغلط، روى هذا المتن بسند الحديث الآخر، فإن كان الواقع هكذا فلم يحدث أبو هريرة بهذا، وإلا فهو من جملة الأحاديث التي تحتاج ككثير من آيات القرآن إلى تفسير، وقد فسره أهل العلم بما تجده في الفتح وفي الأسماء والصفات، وقد أومأ البخاري إلى حاله فلم يخرجه إلا في باب التواضع من كتاب الرقاق".

وقال الدكتور أبو بكر كافي الجزائري في كتابه منهج الإمام البخاري (ص: 233، 234): "البخاري لما ترجح عنده صدق خالد بن مخلد القطواني أخرج له، فإن قيل: إنما يعرف صدقه وصحة حديثه بموافقة الثقات له، وخالد له مناكير، ومنها هذا الحديث الذي تفرد به ولم يتابعه عليه الثقات، فكيف يكون صحيحا؟" ثم أجاب بما قاله المعلمي في كتابه التنكيل (1/ 321): "إن معرفة البخاري لصحة حديث الراوي من شيوخه لا تحصل بمجرد موافقة الثقات، وإنما تحصل بأحد أمرين: إما أن يكون الراوي ثقة ثبتا فيعرف صحيح حديثه بتحديثه، وإما أن يكون صدوقا يغلط ولكن يمكن معرفة ما لم يغلط فيه بطرق أخرى، كأن يكون له أصول جيدة، وكأن يكون غلطه خاص جهة معينة". قال أبو بكر كافي: "وخالد بن مخلد من شيوخ البخاري فهذا يقتضي معرفة حديثه وحاله عنده. فلما علم البخاري صدق خالد بن مخلد، ورأى أن هذا المتن الذي انفرد به ليس فيه شيء يخالف القرآن أو السنة المشهورة أو أصول الشريعة ووجدت له شواهد وإن كانت ضعيفة ولكنها كثيرة يصلح منها نوع قوة مما يدل على أن للحديث أصلا لهذا كله صححه الإمام البخاري هذا الحديث. ويمكن القول أيضا: إن البخاري تساهل في رواية هذا الحديث لأنه في الرقاق وفضائل الأعمال وليس في أصول التحريم والتحليل، والله أعلم".

واعلم أن شواهد حديث أبي هريرة التي أشار إليها الحافظان ابن رجب وابن حجر قد تدل على صحة أصل الحديث، لكن ليس في جميعها ذكر جملة التردد، وغالبها ضعيف الإسناد، فالشاهد الذي ذكره عن عائشة وفيه التردد، رواه أحمد في مسنده (26193)، وفي إسناده مولى عروة عبد الواحد بن ميمون أبو حمزة، قال البخاري في التاريخ الكبير (6/ 58) ونقله عنه ابن عدي في الكامل (5/ 1939): منكر الحديث، وذكر له ابن عدي هذا الحديث وضعفه، أفاده محققو مسند أحمد (43/ 262)، وما ذكره محققو صحيح ابن حبان أنه قد تابعه يعقوب بن مجاهد عن عروة لا يفيد، فقد قال الحافظ العلائي في جامع التحصيل (ص: 304): يعقوب بن مجاهد أبو حزرة المدني القاص عن عروة عن عائشة رضي الله عنها حديث أم ملدم، قال عبد العزيز النخشبي: لا يعرف له سماع من عروة، وأفاد الحافظ ابن رجب في جامع العلوم (2 / 331 – 332) وقوع وهم لمن قال: يعقوب بن مجاهد، وإنما هو عن عبد الواحد بن ميمون الذي تفرد به.

وحديث أبي أمامة سنده ضعيف، وليس فيه ذكر التردد، ولفظه كما في كتاب الزهد الكبير للبيهقي (702): عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله عز وجل يقول: ما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فأكون سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به وقلبه الذي يعقل به وإذا دعاني أجبته، وإذا سألني أعطيته، وإذا استنصرني نصرته، وأحب ما تعبد به عبدي النصح لي)).

وحديث معاذ بن جبل في سنن ابن ماجه (3989) ضعفه الشيخ الألباني رحمه الله وغير واحد من المحدثين، ولفظه: ((إن يسير الرياء شرك، وإن من عادى لله وليا، فقد بارز الله بالمحاربة، إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء، الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، وإن حضروا لم يدعوا، ولم يعرفوا قلوبهم مصابيح الهدى، يخرجون من كل غبراء مظلمة))، وليس فيه ذكر التردد.

وزاد الشيخ نبيل البصارة في كتابه العظيم أنيس الساري تخريج أحاديث فتح الباري (11/ 1359) هذا الشاهد مما لم يذكره الحافظان ابن رجب وابن حجر: حديث ميمونة أخرجه أبو يعلى (7087) عن العباس بن الوليد النرسي حدثنا يوسف بن خالد عن عمر بن إسحاق أنه سمع عطاء بن يسار يحدث عن ميمونة رفعته: ((قال الله عز وجل: من آذى لي وليا فقد استحق محاربتي، وما تقرب إلي عبد بمثل أداء فرائضي، وإنه ليتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت رجله التي يمشي بها، ويده التي يبطش بها، ولسانه الذي ينطق به، وقلبه الذي يعقل به. إن سألني أعطيته، وإن دعاني أجبته، وما ترددت عن شيء أنا فاعله كترددي عن موته، وذاك أنه يكرهه، وأنا أكره مساءته)). وأخرجه الكلاباذي في معاني الأخبار (ص 44) من طريق عبيد الله بن عمر القواريري ثنا يوسف بن خالد السمتي به. قال الهيثمي: وفيه يوسف بن خالد السمتي وهو كذاب، كما في المجمع (10/ 270 – 271). وقال البوصيري: هذا إسناد ضعيف لضعف يوسف بن خالد السمتي، قال فيه ابن معين والبخاري وأبو داود وابن معمر: كذاب، وقال أبو حاتم: ذاهب الحديث، وقال ابن حبان: كان يضع الحديث على الأشياخ، ويقرؤها عليهم، لا تحل الرواية عنه، كما في الإتحاف (2/ 28).

فوائد تتعلق بالحديث:

قال الوزير ابن هبيرة رحمه الله في شرح الحديث في الإفصاح عن معاني الصحاح (7/ 306): "وأما قوله: (ما ترددت في شيء)، قيل فيه أوجه: إنه ترديد الله عز وجل الملائكة إلى عبده وتواريهم له عند قبض روحه؛ احتفالًا به وتعظيماً، كما رد الله الملائكة إلى إبراهيم وموسي ونبينا - صلى الله عليه وسلم" انتهى كلامه، ولم يذكر وجها آخر.

وقد ذكر البيهقي رحمه الله في شرح التردد وجهين، قال في كتابه الأسماء والصفات (2/ 448، 449): "قوله: (ما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن) فإنه أيضا مثل، والتردد في صفة الله عز وجل غير جائز، والبداء عليه في الأمور غير سائغ، وتأويله على وجهين أحدهما: أن العبد قد يشرف في أيام عمره على المهالك مرات ذات عدد من داء يصيبه، وآفة تنزل به، فيدعو الله عز وجل فيشفيه منها، ويدفع مكروهها عنه، فيكون ذلك من فعله كتردد من يريد أمرا ثم يبدو له في ذلك فيتركه ويعرض عنه، ولا بد له من لقائه إذا بلغ الكتاب أجله، فإنه قد كتب الفناء على خلقه، واستأثر البقاء لنفسه، وهذا على معنى ما روي: «إن الدعاء يرد البلاء» والله أعلم. وفيه وجه آخر: وهو أن يكون معناه: ما رددت رسلي في شيء أنا فاعله ترديدي إياهم في نفس المؤمن، كما روي في قصة موسى وملك الموت صلوات الله عليهما، وما كان من لطمة عينه، وتردده عليه مرة بعد أخرى، وتحقيق المعنى في الوجهين معا: عطف الله عز وجل على العبد، ولطفه به والله أعلم"، انتهى كلام البيهقي.

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله كما في لقاء الباب المفتوح (رقم اللقاء: 59): "إثبات التردد لله عز وجل على وجه الإطلاق لا يجوز؛ لأن الله تعالى ذكر التردد في هذه المسألة: (ما ترددت في شيء أنا فاعله كترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن) ، وليس هذا التردد من أجل الشك في المصلحة، ولا من أجل الشك في القدرة على فعل الشيء، بل هو من أجل الرحمة بهذا العبد المؤمن، ولهذا قال في نفس الحديث: (يكره الموت وأكره إساءته، ولا بد منه) ، وهذا لا يعني أن الله عز وجل موصوف بالتردد في قدرته أو في علمه، بخلاف الآدمي فهو إذا أراد أن يفعل الشيء يتردد؛ إما لشكه في نتائجه ومصلحته، وإما لشكه في قدرته عليه؛ أي: هل يقدر أو لا يقدر، أما الرب عز وجل فلا".

هذا، وقد أحسن الإمام النووي رحمه الله في الأربعين النووية حين ذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وحذف من آخره جملة التردد للإشكال في متنها وإسنادها، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

وكتب/ محمد بن علي بن جميل المطري


الكتاب المرفق

تحميل الكتاب (PDF)