هل المَثلان المضروبان للصحابة الكرام في القرآن مذكوران في التوراة والإنجيل بعد تحريفهما؟
قال الله تعالى في القرآن الكريم: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} [الفتح: 29].
ومع تحريف التوراة والإنجيل التي بأيدي اليهود والنصارى إلا أنه لا يزال فيهما شيء من آثار هذين المثلين المذكورين في هذه الآية، ففي التوراة المترجمة بالعربي ما نصه: (أقبل الرب من سيناء، وأشرف عليهم من سعير، وتألق في جبل فاران؛ جاء محاطا بعشرات الألوف من الملائكة، وعن يمينه يومض برق عليهم. حقا إنك أنت الذي أحببت الشعب؛ وجميع القديسين في يدك، ساجدون عند قدميك، يتلقون منك أقوالك). ينظر: ((التوراة)) سفر التثنية 33: 2 ، 3، وفي نسخة: جالسون عند قدمك يتقبلون من أقوالك.
وذكر الدكتور منقذ السقار أن التوراة المترجمة إلى العربية سنة 1841م نصها: (واستعلن من جبل فاران، ومعه ألوف الأطهار) ينظر كتاب: ((هل بشر الكتاب المقدس بمحمد صلى الله عليه وسلم؟)) للسقار (ص: 84).
والمراد بفاران جبال مكة.
وفي موضع آخر من التوراة ما نصه: (أقبل الله من أدوم، وجاء القدوس من جبل فاران. غمر جلاله السماوات، وامتلأت الأرض من تسبيحه. إن بهاءه كالنور، ومن يده يومض شعاع، وهناك يحجب قوته. يتقدمه وبأ، والموت يقتفي خطاه. وقف وزلزل الأرض، تفرس فأرعب الأمم). ينظر: ((التوراة)) سفر حبقوق 3: 3 – 6.
ففي هذين الموضعين من التوراة ذكر عشرات الملائكة المطهرين، وأنه يومض برق عليهم، وأن القديسين يسجدون، وفيه ذكر التسبيح والنور والشعاع، وإرعاب الأمم، وهذا كله يوافق ما في الآية من ذكر كون الصحابة أشداء على الكفار، وأنهم يسجدون لله، وأن في وجوههم نور من أثر السجود، والله أعلم.
وفي الإنجيل المترجم بالعربي ما نصه: (كلمهم بأمثال في أمور كثيرة، قال: «ها إن الزارع قد خرج ليزرع. وبينما هو يزرع وقع بعض البذار على الممرات، فجاءت الطيور والتهمته. ووقع بعضه على أرض صخرية رقيقة التربة، فطلع سريعا؛ لأن تربته لم تكن عميقة؛ ولكن لما أشرقت الشمس احترق ويبس؛ لأنه كان بلا أصل. ووقع بعض البذار بين الأشواك، فطلع الشوك وخنقه. وبعض البذار وقع في الأرض الجيدة، فأثمر بعضه مئة ضعف، وبعضه ستين، وبعضه ثلاثين. من له أذنان فليسمع! فتقدم إليه التلاميذ وسألوه: «لماذا تكلمهم بأمثال؟» فأجاب: لأنه قد أعطي لكم أن تعرفوا أسرار ملكوت السماوات، أما أولئك فلم يعط لهم ذلك). ينظر: ((إنجيل متى)) 13: 3 – 11، ونحوه مختصرا في ((إنجيل لوقا)) 8: 5 – 10.
وقد ذهب العلامة ابن حزم إلى أن هذين المثلين المذكورين في الآية مما أخفاه اليهود والنصارى من التوراة والإنجيل، وجزم بأنه لا يوجد هذان المثلان في التوراة والإنجيل اليوم بعد التحريف الذي وقع فيهما. ينظر: ((الفِصَل)) لابن حزم (1/ 160).
وكلام ابن حزم صحيح، فالمثلان غير مذكورين بنفس ما في القرآن الكريم من تفصيل وبيان، لكن لا يزال يوجد آثار ما أخفوه وحرفوه، مما يدل على أن أهل الكتاب أخفوا المثلين من التوراة والإنجيل، قال ابن عاشور: (الذي وقفنا عليه في التوراة مما يصلح لتطبيق هذه الآية، هو البشارة الرمزية التي في الإصحاح الثالث والثلاثين من سفر التثنية من قول موسى عليه السلام: جاء الرب من سينا، وأشرق لهم من سعير، وتلألأ من جبل فاران، وأتى من ربوات القدس، وعن يمينه نار شريعة لهم، فأحب الشعب جميع قديسيه، وهم جالسون عند قدمك يتقبلون من أقوالك. فإن جبل فاران هو حيال الحجاز. وقوله: فأحب الشعب جميع قديسيه يشير إليه قوله: {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29]، ... وقوله: قديسيه يفيد معنى: {تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} [الفتح: 29]، ومعنى: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح: 29]) ((التحرير والتنوير)) لابن عاشور (26/ 207).
وقال العلامة محمد صديق خان القنوجي: (هذا المثل الذي أشار إليه القرآن موجود في إنجيل متى ولوقا، وترجمته بالعربية: انظروا إلى زارع خرج للزرع، وبينما هو يزرع سقط بعض البذر في الطريق، فجاءت الطيور ولقطته، وسقط بعضه على الصخر حيث لم يكن التراب كثيراً، وفي ساعته نبت لأنه لم يكن له في الأرض عمق، ولما طلعت الشمس احترق ويبس؛ لأنه لم يكن له أصل، وسقط بعضه في الشوك، فنما الشوك وخنقه، وسقط بعضه في الأرض الطيبة، وأثمر بعضه مائة ضعف، وبعضه ستين، وبعضه ثلاثين، فمن كانت له أذن سامعة فليستمع. انتهى. وهذا هو معنى الآية الكريمة بعينه) ((فتح البيان في مقاصد القرآن)) للقنوجي (13/ 121، 122).
والحمد لله على توفيقه، وأسأله المزيد من فضله وتيسيره.