التفسير وعلوم القرآن الكريم

هل البحر انشق لموسى طريقا واحدا أو اثني عشر طريقا؟

مشاركة المنشور:

هل البحر انشق لموسى طريقا واحدا أو اثني عشر طريقا؟

قال الله سبحانه في قصة موسى وفرعون: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ} [الشعراء: 61 - 66].

قال المفسرون: أي: فضرب موسى بعصاه البحر فانشق البحر فكان كل قطعة من الماء كالجبل الكبير. يُنظر: تفسير ابن جرير (17/ 583)، معاني القرآن للزجاج (4/ 92)، الوجيز للواحدي (ص: 790)، تفسير ابن كثير (6/ 144)، تفسير القاسمي (7/ 458)، تفسير السعدي (ص: 592).

لكن هل البحر انشق لموسى ومن معه طريقا واحدا أو اثني عشر طريقا؟

ذهب جمهور المفسرين إلى أن البحر انشق اثني عشر طريقا على عدد أسباط بني إسرائيل. ينظر: تفسير مقاتل بن سليمان (3/ 266)، تفسير يحيى بن سلام (2/ 506)، تفسير ابن جرير (17/ 583)، الوسيط للواحدي (3/ 354)، تفسير ابن عطية (4/ 233)، تفسير القرطبي (13/ 107)، تفسير ابن كثير (4/ 292)، تفسير السعدي (ص: 592).

ويفهم من كلام بعض المفسرين تضعيف هذا القول أو التوقف فيه أو عدم الجزم به كما تراه في هذه النقول الثلاثة:

  1. قال ابن جزي: (روي أنه صار في البحر اثنا عشر طريقا، لكل سبط من بني إسرائيل طريق) تفسير ابن جزي (2/ 91).
  2. قال الشنقيطي: (يزعم المفسرون أنه كانت في البحر اثنتي عشرة طريقًا) العذب النمير (4/ 131).
  3. قال الشعراوي: (انحصر الماء على الجانبين، {كُلُّ فِرْقٍ} أي: كل جانب {كَالطَّوْدِ} يعني الجبل العظيم .. وصنع بين الجبلين طريقا، .. والحق تبارك وتعالى لم يبين لنا في انفلاق البحر إلى كم فلقة انفلق، لكن العلماء يقولون: إنه انفلق إلى اثنتي عشرة فلقة بعدد الأسباط، بحيث يمر كل سبط من طريق) تفسير الشعراوي (17/ 10579).

ويفهم من المنقول عن قتادة وابن إسحاق أنه حصل طريق واحد فقط، فعن قتادة قال: (أي والله، لفرق لهم البحر حتى صار طريقا يبسا يمشون فيه) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (509).

وعن محمد بن إسحاق قال: ({فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} أي: كالجبل العظيم، عن يبس من الأرض، يقول عز وجل لموسى: {فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى} [طه: 77]، فلما أسفر له البحر عن طريق قائمة يبس سلك فيه موسى ببني إسرائيل، وأتبعه فرعون بجنوده). رواه ابن جرير في تفسيره (1/ 656) وابن أبي حاتم في تفسيره (15677).

وقد نقل الرازي عن بعض المفسرين ولم يسمه أن البحر انشق لموسى طريقا واحدا، وهو ظاهر عبارة ابن العربي، واقتصر على هذا القول سيد قطب، واحتج له الرازي بأنه ظاهر قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى} [طه: 77]. ينظر: أحكام القرآن لابن العربي (3/ 457)، التفسير الكبير للرازي (22/ 82)، في ظلال القرآن لسيد قطب (5/ 2599).

فالراجح أن البحر انشق لموسى طريقا واحدا كما هو ظاهر القرآن، والقول بأن البحر انشق اثني عشر طريقا هو قول أهل الكتاب وأخذه عنهم المفسرون، وفيه إشكالات كثيرة ذكرها الألوسي، والله أعلم. ينظر: روح المعاني للألوسي (10/ 85).

وأختم البحث بفائدة نفيسة ذكرها الشيخ السعدي في تفسيره، قال رحمه الله: "التفاسير التي توجد وتشتهر بها أقوال لا يعرف غيرها، تنقل هذه الأقوال عن بني إسرائيل مجردة، ويغفل الناقل عن مناقضتها للمعاني الصحيحة وتطبيقها على الأقوال، ثم لا تزال تتناقل وينقلها المتأخر مسلِّما للمتقدم حتى يظن أنها الحق، فيقع من الأقوال الردية في التفاسير ما يقع، واللبيب الفطن يعرف أن هذا القرآن الكريم العربي المبين الذي خاطب الله به الخلق كلهم عالمهم وجاهلهم وأمرهم بالتفكر في معانيه، وتطبيقها على ألفاظه العربية المعروفة المعاني التي لا تجهلها العرب العرباء، وإذا وجد أقوالا منقولة عن غير رسول الله صلى الله عليه وسلم ردها إلى هذا الأصل، فإن وافقته قبِلها لكون اللفظ دالا عليها، وإن خالفته لفظا ومعنى أو لفظا أو معنى ردها وجزم ببطلانها؛ لأن عنده أصلا معلوما مناقضا لها وهو ما يعرفه من معنى الكلام ودلالته" ((تفسير السعدي)) (ص: 603).




الكتاب المرفق

تحميل الكتاب (PDF)