التفسير وعلوم القرآن الكريم

الآيات الثمان المنسوخة في القرآن

مشاركة المنشور:

الآيات الثمان المنسوخة في القرآن

يقول الله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: 106].

النَّسخ هو: رفعُ حُكمِ دليلٍ شرعيٍ أو لفظِه بنصٍ من القرآن أو السنة، كما نسخ اللهُ في أول الإسلام استقبال المسجد الأقصى في الصلاة إلى استقبال المسجد الحرام، فأتى اللهُ المسلمين بحكمٍ خيرٍ من الحُكم المنسوخ، وفي النسخ حِكمٌ عظيمة، وغالبًا يكون الناسخُ تخفيفًا على المسلمين، أو تكثيرًا لأجورهم، وبعض الآيات نسخ اللهُ لفظها وحُكمها، وأنسى النبي عليه الصلاة والسلام والمسلمين نصها، كما قال الله سبحانه: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} [الأعلى: 6، 7]، وبعض الآيات نُسِخ لفظُها وبقي حكمُها، مثلُ آية رجم الزاني المحصن، والمراد بهذا المقال الآياتُ التي نُسِخ حكمُها، وبقي لفظُها في القرآن الكريم، وهي قليلة جدًا، وقد عاب ابنُ الجوزي في مقدمة كتابه نواسخ القرآن (ص: 10، 11) على بعض المفسرين الذين قالوا بنسخ ما ليس بمنسوخ، قال: "ومعلوم أن نسخ الشيء رفعُ حكمه، وإطلاقُ القولِ برفع حُكمِ آيةٍ لم يُرفع جُرأةٌ عظيمةٌ".

والذي ثبت نسخه من آيات القرآن الكريم ثمان آيات فقط، هي:

  1. ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: 180]، منسوخة بآيات المواريث، فلا وصية لوارث كالوالدين، أما الوصية للأقارب غير الورثة فهو مُحكمٌ غير منسوخ.
  2. ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184]، نسخها قوله تعالى بعدها: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185].
  3. ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: 240]، نسخها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234]، وهذه الآية الناسخة متقدمة على الآية المنسوخة في ترتيب آيات سورة البقرة، وقيل: إنها ليست منسوخة، وأنَّ الوصية إلى سنةٍ مستحبةٌ لا واجبة، والقول بنسخها هو المشهور، والله أعلم.
  4. ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا * وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ [النساء: 15، 16]، نسخ حكمَ هاتين الآيتين قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2]، وآية الرجم التي نُسِخ لفظُها وبقي حكمُها، وهي قوله: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة)، وما ثبت في الأحاديث الصحيحة المشهورة عن النبي صلى الله عليه وسلم في جلد الزاني غير المحصن، ورجم الزاني المحصن.
  5. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: 43]، نسخها قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 90].
  6. ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال: 65]، نسختها الآية التي بعدها: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: 66].
  7. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المجادلة: 12]، نسختها الآية التي بعدها: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: 13].
  8. ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: 2 - 4]، هذه الآيات في أول سورة المزمل نسختها الآية التي في آخر السورة: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: 20].

تنبيهان مهمان:

التنبيه الأول: قال بعض المفسرين بنسخ الآيات التي فيها الأمر بالعفو والصفح عن الكافرين والإعراض عنهم والصبر عليهم، وزعموا أنها منسوخة بآية السيف، وهي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5]، والراجح أنها آيات محكمة، أمر الله بها المسلمين في حال ضعفهم، وآية السيف وغيرها من آيات الجهاد محكمة، أنزلها الله في حال قوة المسلمين، وليست ناسخة لآيات العفو والصفح والصبر، وتأمل قوله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: 109]، وقوله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ [الصافات: 174]، فلم يأمر الله بالعفو عن الكافرين والإعراض عنهم مطلقًا، بل إلى غاية، وهذا لا يدخل في المنسوخ، فلما صار للمسلمين قوة ودولة أمرهم الله بالجهاد، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: 77]، على أن لكل مقام مقالًا، وقد يحسن الصبر والعفو والإعراض عن الكافرين حتى في حال قوة المسلمين، وقد ثبت في السيرة النبوية عفو النبي عليه الصلاة والسلام على كثير من الكافرين في حال قوته، كما عفى عن ثمامة بن أثال الحنفي، وعفا عن كفار قريش حين فتح مكة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: 61]، وقال سبحانه في سورة التوبة، وهي آخر سورة أنزلها الله على رسوله: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ [التوبة: 95]، فأمر بالإعراض عن المنافقين حتى في حال قوة المسلمين، وقال أيضًا في نفس السورة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: 73]، فالعفو عن الكافرين والمنافقين أو عقوبتهم وجهادهم يرجع فيه إلى مصلحة الإسلام والمسلمين، سواء في حال قوة المسلمين أو ضعفهم، وكل الآيات المذكورة محكمة.

التنبيه الثاني: لا يصح دعوى نسخ آية مع إمكان كونها محكمة، مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: 8]، قال أبو جعفر النحاس في كتابه الناسخ والمنسوخ (ص: 302، 303): "للعلماء في هذه الآية ثلاثة أقوال، فمنهم من قال: إنها منسوخة، ومنهم من قال: هي محكمة واجبة، ومنهم من قال: هي محكمة على الندب والترغيب والحض"، ثم روى بإسناده عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية: (أمر الله المؤمنين عند قسمة مواريثهم أن يَصِلوا أرحامهم وأيتامهم ومساكينهم من الوصية، فإن لم تكن وصيةٌ وصل لهم من الميراث)، قال أبو جعفر النحاس: "فهذا أحسن ما قيل في الآية أن تكون على الندب والترغيب في فعل الخير، فأمر الله الذين فرض لهم الميراث إذا حضروا القسمة وحضر معهم من لا يرث من الأقرباء واليتامى والمساكين أن يرزقوهم شكرًا لله تعالى على ما فرض لهم"، ثم روى النحاس عن الحسن البصري والزهري أنهما قالا في هذه الآية: (هي محكمة، ما طابت به أنفسهم)، قال النحاس: "وأكثر العلماء على هذا القول، وقد بينا صحته"، وكذلك رجح البخاري وابن جرير الطبري وابن الجوزي أن هذه الآية محكمة. يُنظر: صحيح البخاري (6/ 43)، تفسير ابن جرير (6/ 438، 439)، نواسخ القرآن لابن الجوزي (ص: 106).



فيديو

الكتاب المرفق

تحميل الكتاب (PDF)